الطريق إلى إعلان موسكو ومآلاته

رامي الخليفة علي

نشر في: آخر تحديث:

في شهر مايو المنصرم وقبيل تولي بن علي يلدريم رئاسة الحكومة التركية كانت السياسة الخارجية التركية تمر بأسوأ مراحلها منذ تولي حزب العدالة والتنمية زمام السلطة في تركيا. ومنذ أيامه الأولى أعلن رئيس الوزراء أن تركيا سوف تعيد تقييم سياساتها السابقة ووعد بانطلاقة جديدة لعجلة السياسة الخارجية. الخيط الرفيع الذي بقي يربط تركيا بالغرب وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية بدا أن تكلفته باهظة على كافة المستويات وفي مسائل خطيرة على الأمن القومي التركي، فالولايات المتحدة لم تعبأ بمطالب تركيا بإنشاء منطقة آمنة في شمال سوريا، بل إن الغرب ذهب بعيدا في دعم الميليشيا الكردية في شمال سوريا (قوات سوريا الديمقراطية) لدرجة إرسال قوات لمساندة الأخيرة في حربها ضد داعش والمعارضة السورية، والإدارة الأمريكية التي لم تتحرك بالرغم من القصف السجادي للنظام السوري للمناطق التي تسيطر عليها المعارضة، تدخلت بقوة وأرسلت تحذيرات للأسد للتوقف عن استهداف مناطق الأكراد. أضف إلى ذلك حربا إعلامية شرسة ضد الرئيس التركي وحزبه وتشجيعا علنيا أحيانا وخفيا في كثير من الأحيان لإحداث تغيير في تركيا، خصوصا في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

أمام هذا الوضع المعقد والمضطرب الذي كانت تعيشه تركيا وإحساس عميق بأن السكين باتت تلامس الرقبة، بُنيت الاستراتيجية الجديدة على قطع الشعرة مع الغرب وبناء تحالفات جديدة وعلى أسس جديدة، فكانت نقطة البداية هي ترميم العلاقات مع روسيا حتى لو كان ذلك على حساب الكبرياء التركي المعهود، فاستجاب أردوغان لكل شروط بوتين من اعتذار عن اسقاط الطائرة الروسية وتعويض ذوي الطيار ومعاقبة من قاموا بقتل الطيار عند سقوطه بالمظلة. بالمقابل فإن الرئيس الروسي كان متلهفا لاحتضان دولة يعلم مدى أهميتها ويعلم مدى حجم الجليد الذي أصاب علاقتها بالغرب.

المحاولة الانقلابية الفاشلة كانت مؤكِّدة وليست منشِّئة للتوجه الجديد في السياسة التركية، حيث أيقنت القيادة التركية بعدها أن الغرب إن لم يكن هو من دفع باتجاه الانقلاب، فإنه بالتأكيد كان على دراية به ولم يخبرها. وبالرغم من المحاولات الغربية لتلافي الأضرار المحتملة لهذه المحاولة إلا أن الأوان قد فات وذهبت تركيا في طريق اللاعودة. فكانت النتيجة الأولى هي عملية درع الفرات التي حققت فيها تركيا مطلبها الأساسي بإقامة منطقة آمنة وتقطيع أوصال المناطق التي يسيطر عليها الأكراد، وجاء ذلك عبر بوابات الكرملين وليس عبر أسوار البيت الأبيض، حتى وإن كان الثمن هو سيطرة النظام وحلفائه على مدينة حلب. تركيا التي أعياها الصداع الكردي والباحثة بشراسة عن مصالحها الأمنية والاستراتيجية وروسيا التي أدركت على الأرض السورية حدود القوة والهيمنة العسكرية، ولا تريد أن يتحول هذا البلد إلى مستنقع تغرق فيه على غرار التجربة السوفيتية في أفغانستان، وإيران الغارقة فعلا في المستنقع السوري والعاجزة عن حسم الصراع لصالحها، تلاقت هذه الدول معا عند حدود مصالحها في الملف السوري فكان إعلان موسكو الثلاثي.

مما لا شك فيه أن التغير في اتجاه السياسة التركية هو الذي سمح بعملية درع الفرات وباحتلال النظام لكامل مدينة حلب، وهو الذي أوصل إلى اتفاق حلب لخروج المدنيين والمسلحين من الأحياء الشرقية، وصولا إلى الإعلان الثلاثي في موسكو، حيث ترغب الأطراف الثلاثة بوضع إطار لحل الأزمة في سوريا، عبر فرض هدنة طويلة الأجل تضمنها تلك الأطراف ودعوة المعارضة والنظام للتفاوض برعايتها، وإن كانت تفاصيل الحل النهائي لا تبدو واضحة.

وبالرغم من امتلاك هذه الأطراف الثلاثة لكثير من الأوراق العسكرية والسياسية إلا أن إعلان موسكو لا يساوي الحبر الذي كتب به إذا لم يستطع الاستجابة لثلاثة شروط أساسية:

• الحفاظ على الحد الأدنى من مطالب المعارضة السورية المعترف بها دوليا (الهيئة العليا للتفاوض) وهو إطلاق عملية انتقال سياسي حقيقية، وإلى الآن ليست هناك أي إشارة من قبل طهران أو موسكو توحي بأن البلدين يمكن أن يوافقا على هذا المطلب.
• إدخال الأطراف العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية في هذا التفاهم باعتبار المملكة تحظى بثقة المعارضة السورية، وباعتبار ما يحدث في سوريا يمس بعمق الأمن القومي العربي والخليجي على وجه الخصوص، ولا نعلم حتى الآن إذا كانت تركيا قد نسقت مع المملكة أم لا، خصوصا أن العلاقة بين البلدين شهدت تطورا كبيرا في الآونة الأخيرة.

• التفاهم مع الغرب، الذي بالرغم من سياسته المترددة اتجاه الملف السوري إلا أنه يمتلك الكثير من الأوراق، على المستوى العسكري، دعمه لقوات سوريا الديمقراطية في الشمال والجبهة الجنوبية في محيط العاصمة، فضلا عن الأوراق السياسية الكثيرة التي يمكن أن تعرقل أي تسوية غير متفق عليها على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.

إن إعلان موسكو يمثل مصالح الدول الموقعة عليه ولكنه لا يمثل انعطافة في مسار الأزمة السورية بشكله الحالي ولعل الأيام القادمة هي الكفيلة بإظهار إذا ما كانت هذه الدول تستطيع أن تسوّقه وأن تستجيب للشروط سالفة الذكر.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.