من حماة إلى حلب

خالص جلبي

نشر في: آخر تحديث:

في شتاء عام 1982 كانت حماة على موعد مع الأسد الأب ومدفعيته وطيرانه. وفي شتاء عام 2016 كانت حلب على موعد مع براميل الأسد الابن، ومعه ستين فصيل طائفي ومن فوق تحلق طائرات السوخوي الروسية ملقية الصواريخ الفراغية والقنابل العنقودية والفوسفوية.

نفس القصة القبيحة المكررة، مسلحون يتحصنون خلف جدر، أمام عدو لا يرقب فيهم إلا ولا ذمة، ولا تهمه روح إنسان ولا حيوان، كما لا يعبأ بمشفى ولا مدرسة.

نفس الخطأ لهؤلاء الثوار يكررونها بعد مرور ثلاثة عقود، دون الاستفادة من درس التاريخ. هذه المرة تحالف الأسد الابن مع دولة عظمى، وأدخل الدب إلى كُرمه.

في حماة كانت مذبحة عارمة أخذت إلى المقابر أكثر من عشرين ألف ضحية. وحسب الصحفي باتريك سيل، فإن رفعت الأسد فضّل إنهاء المذبحة بفصل درامي، حين أخرج بقية سكان المدينة ثم قتلهم أمام بيوتهم. يقال إنهم كانوا خمسة آلاف أضيفوا لمن سبقهم إلى المقابر. وفي هذا يمكن قراءة كتاب «السوريون الأعداء»، لفواز حداد، وهو مسيحي من أهل مدينة حماة نجا من الموت بإعجوبة، بعد أن كتب في صحيفة الأموات.

ومع كتابة هذه الأسطر يرتج العالم بأخبار الخروج الكبير لأهل حلب من بيوتهم. ليس أمامي سوى أن أقوم متهجداً في ظلام الليل، أدعو لأهل حلب بالرحمة، فقد اجتمعت عليهم ملل ونحل الأرض لنحرهم، في جريمة كاملة بيد قصاب روسي وتغطية أميركية، وحملقة أوروبية بعيني ضفدع!

نحن هنا أمام خرائط دم جديدة، وتفريغ ديموغرافي، وأشياء مرعبة تحاك خلف الكواليس، لا نعرف عنها الكثير، كما في قصة «داعش» الذي ولد على غير موعد، واضحة مجهولة، من شباب مغفلين متحمسين، يقادون بايد دهاة مدربين على دفع الأفئدة للمحرقة!

في مذبحة حماة كنت مع جزائري مدعواً إلى حضور احتفال طهران بالذكرى الثانية لثورتها، وكان حماسنا لها شديداً كونها الثورة الإنسانية الكبرى! كان صديقي يقفز مثل قرود البابون وهو يهتف: «عجل الله فرجه». هنا عرفت أن برمجة العقل الإنساني شيء عجيب، «وكان الإنسان أكثر شيء جدلا».

كانت رائحة الثورة في قم طائفية بامتياز. كان ثمة عقلاء بينهم، وعرفت أن ثورة «علي شريعتي» هي غير ثورة الخميني وخامنئي الذي اعتبر سقوط حلب انتصاراً على «الكفار» (كذا). كان الجو كله طائفياً بامتياز. هنا أدركت أننا أمام ثورة «لا إنسانية»، ورأينا الدليل في استقبالهم البهيج لطاغية رومانيا (تشاوسسكو)، ثم تحالفهم مع طاغية دمشق في خلطة سامة بين شيعي وشيوعي وعلماني!

يومها والمذبحة شغالة في حماة، التقيت عضواً من مجلس الشورى الإيراني، قلت له: الناس يقتلون في حماة، وصديقكم الأسد هو صاحب الساطور، فهل من شفاعة؟ قال: يستحقون القتل!

حين أتذكر صدّام، وما فعل، وكيف فتح ثقب يأجوج ومأجوج هذا على العرب، أدرك أنه لولا انهيار نظام صدام على يد بوش الابن لما تم التهام العراق، ولا ضاعت حلب في شتاء عام 2016. لكن صدام كان طاغية ومن رماده خرج ألف صدام وصدام وضاع العراق، وتفشت المذهبية في حرب مائة عام جديدة، كما كانت يوماً بين العثمانيين والصفويين.

خرائط الدم هذه لم تنته بعد، ومن أعجب ما يرى الإنسان كيف أن مصير سوريا يقرر في روسيا، بأيدي ثلاثة فرقاء ليس منهم سوري واحد، بل لافروف القيصري، وظريف الفارسي، ومولود العثماني. فأي ولادة تنتظر سوريا على أيدي ثلاثة شركاء متشاكسين؟!

*نقلا عن صحيفة "الاتحاد".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.