أي مستقبل للحزب الديموقراطي في الولايات المتحدة؟

حسن منيمنة

نشر في: آخر تحديث:

عند استعراض النتائج، يبدو حال الحزب الديموقراطي في الولايات المتحدة مأزوماً. فهو قد فشل في إيصال مرشحته الرئاسية هيلاري كلينتون إلى البيت الأبيض، وفشل كذلك في انتزاع كل من مجلسي الكونغرس من الحزب الجمهوري. فبعد أن كانت الحكمة السائدة قبيل الانتخابات، مع توقع فوز كلينتون يومئذ، أن الحزب الجمهوري سوف يشهد مراجعات عميقة وانشقاقات بعد رسوبه المرتقب، انقلبت الأمور، على ما يبدو، رأساً على عقب، والحزب الذي دخل دائرة الخطر هو الحزب الديموقراطي لا الجمهوري.

ثمة ما يستدعي المراجعة والتأنيب في أداء الحزب الديموقراطي بعامة وحملة هيلاري كلينتون الانتخابية بخاصة. فعلى رغم التبريرات الاحتجاجية بأن العامل المباشر للفشل هو تطفل مدير مكتب التحقيقات الاتحادي على العملية الانتخابية، إذ أعلن إعادة فتح التحقيق بقضية الخادم الآلي الخارجي الذي كانت كلينتون قد اعتمدته لبريدها، ما أطلق عنان حملة ترامب الانتخابية بمزاعم كاذبة حول افتضاح تورط كلينتون بأفعال تقتضي ملاحقتها جنائياً، فإن الحقيقة التي لا مفر منها هي أن أداء كلينتون المرشحة كان باهتاً وغير مقنع، والخطة التي اعتمدها طاقمها كانت قاصرة.

فترامب لم يفز بمد شعبي ولا حصل على أرقام قياسية كما يطيب له أن يدّعي، بل إن فوزه كان تقنياً محضاً، عائداً إلى مهارة طاقمه في التركيز على الولايات المحسوبة على الحزب الديموقراطي والتي نفرت من كلينتون في الانتخابات التمهيدية وفضّلت بيرني ساندرز عليها.

ويبدو أن كلينتون كانت واثقة من الفوز فلم تعر ما حققه منافسها ضمن الحزب بيرني ساندرز من نتائج كان عليها أن تعي دلالاتها. فكان اعتمادها على المقومات المعتادة للكتلة الناخبة لمصلحة الحزب الديموقراطي، أي النقابات والأقليات. إلا أن جمهور النقابات كان مضعضعاً نتيجة تراجع الثقة بشخص هيلاري كلينتون، فتمكن ترامب من خلال خطاب شعبوي يناقض كل ما مارسه على مدى أعـوامه السبعيـن، ويزعم السعي إلى تحقيق مصلحة الشرائح ذات الدخل المحدود، من اقتطاع البعض الكافي من جمهور النقابات للفوز بأكثر من ولاية.

وعلى رغم نشاط الرئيس باراك أوباما وزوجته في جهود التعبئة في أوساط الأقليات، فإن كلينتون لم تنجح في استقطاب الأعداد الوافية منها.
ما أهملته كلينتون، وكان قد أدركه ساندرز، أن الشرائح الجيلية الشابة، والتي تنظر بريبة إلى مجمل السياسيين في الولايات المتحدة، مادة خام ثمينة للتعبئة. والرغبة الجامحة في اختيار رئيس من خارج الصف السياسي المعتاد كانت قد دفعت هذه الشرائح باتجاه اختيار ساندرز، أما بعد عجز ساندرز عن الحصول على التأييد الكافي للفوز بالرئاسة، عمد البعض في الأوساط المؤيدة له إلى الاحتجاج على انحياز المؤسسة الحزبية لمصلحة كلينتون، فكان اختيار البعض منها ترامب.

وقد يكون الإهمال الأخطر الذي ارتكبته كلينتون اعتبار ولاء التوجه التقدمي لها تلقائياً ومحسوماً، فيما هي، بعد أن أنهت المنافسة التي كان قد شكلها ساندرز، سعت إلى التموضع الوسطي من دون اعتبار فعلي لإمكانية تنفير التقدميين. فالدروس المستفادة بالنسبة إلى الحزب الديموقراطي واضحة إذاً: الامتناع عن اعتبار النقابات والأقليات أرقاماً محسومة لمصلحة الحزب، والاجتهاد في استقطاب الشرائح الوسطى والأوساط التقدمية.
لكن الصورة ليست قاتمة وحسب بالنسبة إلى الديموقراطيين. والمفارقة أن العامل المساعد الذي لا بد من توظيفه في المرحلة المقبلة هو بحد ذاته فوز دونالد ترامب بالرئاسة، بما يثيره هذا الفوز من استهجان نتيجة العيوب الكثيرة في شخص الرئيس الجديد. والواقع أن ترامب، بالنسبة إلى الديموقراطيين، يقدم فرصاً عدة في المرحلة المقبلة. فهو دافع للتعبئة من جهة، كما أنه بسلوكه الاعتباطي لا بد أن يصل بالحزب الجمهوري إلى الانقسام.

والحزب الجمهوري هو على أي حال ائتلاف انتخابي يجمع فصائل تكاد أن تخلو من القواسم المشتركة، فالمحافظون الاجتماعيون يخوضون من خلال الحزب حرباً ثقافية إزاء النزعات التقدمية التي تترسخ في عموم الولايات المتحدة، ومطلبهم هو توسيع إطار الرقابة والتحكم من الدولة لضبط التجاوزات بحق منظومة القناعات والقيم لديهم. أما المحافظون الاقتصاديون فحربهم أقرب إلى الحرب الطبقية، ومسعاهم هو تخفيض العبء الضريبي وتقليص دور الحكم في توجيه شؤون البلاد، وترك هذه الشؤون لاقتصاد السوق.

فهذان الجناحان داخل الحزب الجمهوري هما على طرفي نقيض إزاء دور الدولة. وقد أغدق ترامب الوعود على كليهما من دون تمحيص، ثم عمد فور فوزه إلى تناســي وعوده عند اختيار المرشحين لتولي المهمات الرئيسية في حكومته العتيدة. وإذا كان مـــجمل الجــمهور الذي اختار ترامب لا يزال يوليه الثقة، فإن خياراته وسلوكاته تنبئ للتو بأنه سوف يخيب آمالهم جميعاً. فما يمكن توقعه مع ترامب أن الخلاف الداخلي في الحزب الجمهوري، والذي بقي مطموراً في المراحل الماضية، سوف يظهر إلى العلن. وما لم يتم تطويق هذا الخلاف للحفاظ على وحدة الصف الحزبي، وهو هدف لا يمكن استشفاف سبيل الوصول إليه اليوم، فإن الفوز النادر بالرئاسة والكونغرس معاً قد لا يحقق الإيجابيات المرجوة.

يبقى أن السياسة الأميركية ككل تعاني أزمة في بروز الوجوه القيادية المقنعة، وإلا لما تمكن ترامب من الفوز بالرئاسة. ففي الحزب الديموقراطي، طويت صفحة كلينتون إلى غير عودة. ولكن ليس للحزب اليوم شخصية بارزة يمكن لمختلف التوجهات الركون إليها. فعلى رغم الأزمة البنيوية في الحزب الجمهوري، وبغضّ النظر عن الطابع العرضي لما أصاب الحزب الديموقراطي من انتكاسة، فإنه في غياب الشخصية البارزة القادرة على الاستقطاب، يبقى مجال التعبئة مفتوحاً أمام الطروحات الشعبوية، على رغم الأفق المحدود لهذه الطروحات من حيث سرعة انكشاف تخبطها عقب الفوز. ففي وسع الديموقراطيين أن يقارنوا بقدر من الاطمئنان بين الفوز الطارئ لخصومهم والخسارة التقنية لفريقهم، إلا أن هذا التحليل لا يبدل واقع من يقيم في البيت الأبيض ما لم تصحح الأخطاء المرتكبة.

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.