الضربات الاستباقية للإرهاب..!

يوسف أبا الخيل

نشر في: آخر تحديث:

كنت قد كتبت سلفاً عن التطور النوعي الذي صاحب أداء الأمن السعودي في تصديه للإرهاب والإرهابيين. هذا التطور يتمثل في قدرة رجال الأمن الظافرين على استباق الأحداث الإرهابية، بمباغتة الأفاعي الإرهابية في جحورها، قبل أن تتمكن من نفث سمومها في جسم المجتمع؛ إذ كان الأمن قبل هذه الخطوة التطورية، وخاصة لتلكم الأحداث التي تلت الحادي عشر من سبتمبر وما بعدها، لا يتحرك إلا بعد وقوع الأحداث الإرهابية.

عملية حي الياسمين كانت عملية نوعية في كيفية التصدي لها، ولمن كانوا ينوون القيام بأحداثها، وفي كيفية استدراج البطل السعودي، "جبران عواجي" للإرهابيين، وشجاعته العظيمة في مواجهته المباشرة لإرهابيين مدججين بالأحزمة الناسفة؛ حيث واجه بمسدسه المطلوبيْن، (طايع بن سالم بن يسلم الصيعري، وطلال بن سمران الصاعدي)، اللذيْن كانا مسلحين برشاشين، وحزامين ناسفين. هذه الشجاعة غير المستغربة من رجل الأمن السعودي وصلت حداً قام بسببه أحد مراسلي وكالات الأنباء العالمية بمقارنة مواجهة فردية لرجل أمن واحد بمفرده لإرهابييْن متحزمين بأحزمة ناسفة، بما شاهده من فرار قطاعات من الجيش العراقي أمام بضع مقاتلين من داعش!

النجاح الأمني السعودي في مباغتة الإرهابيين، والذي أصبح مضرب المثل في التجارب العالمية لمحاربة الإرهاب، لا بد وأن يتزامن مع نجاح فكري يفكك ما يتكئ عليه أولئك الإرهابيون من تسويغات فكرية مبثوثة في المدونات العقدية هنا وهناك.

شد أزر الحملة الأمنية الظافرة بتفكيك فكري لما يتكئ عليه الإرهاب من مسوغات فكرية، كان، ولما يزل، مطلباً لكثير من المفكرين والكتّاب، والذين يعتقدون أن ثمة اطراداً بين الإرهاب العملي والإرهاب الفكري؛ حتى وإن بدا أن ثمة عوامل عدة تقف خلف الموجة الإرهابية المعاصرة، إلا أن المدد الفكري المسوغ، يكاد يكون أبرز تلك العوامل.

ربما يجوز القول: إن المشكلة الرئيسية التي نواجهها اليوم في مواجهة خطاب الغلو والتطرف آتية من أن الخطاب السلفي، الذي يأخذ على عاتقه مهمة مكافحة خطاب التطرف، يتفق مع هذا الأخير في الكثير من قناعاته "العقدية"، ولا يختلف معه إلا في كيفية مواجهتها. إنه، أعني الخطاب السلفي، يتفق مع خطاب التطرف تماماً في التكييف الشرعي لقضايا من قبيل حد الردة، والعلاقة مع غير المسلمين، وجهاد الطلب، وجواز، بل وجوب الاسترقاق، وكفر من لا يحكم بالشريعة مطلقاً دون تفريق، ولا يفترق عنه إلا من حيث إن الخطاب السلفي التقليدي يترك هذا القضايا، مع إيمانه القطعي بها على التأويل الذي وردت فيه في التراث السلفي، للإمام، ليحكم فيها بنفسه، أو من خلال من ينيبه؛ بينما يرى خطاب التطرف أن له الحق في تولي تنفيذ ما يترتب على تلك القضايا من أحكام. وهو تخريج، بالإضافة إلى سهولة نقضه سلفياً، فإن خطاب التطرف يجد في الموروث السلفي نفسه ما يعطيه حق تنفيذ الأحكام المترتبة على تلك القضايا إذا لم يتخذ حيالها الإمام ما يناسبها من الإجراء المقطوع بنوعيته سلفياً.

ذلك يعني أن على الخطاب السلفي التقليدي أن يجدد في أدوات مناولته لتلك القضايا إن هو أراد مكافحة التطرف بفعالية ونجاعة. والأدوات المراد التوسل بها لمكافحة التطرف لن تكون ذات نكهة فلسفية أو اجتماعية، بل ستكون شرعية قرآنية نبوية، لكنها ليست تراثية مستقاة من اجتهاد السلف؛ إنها أدوات تستصحب ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية المتوترة من إعلاء شأن الحرية الفردية، ومن التبشير بإنسانية عامة، بعيداً عن استصحاب أي هوية، فرية كانت أم جمعية.

ثم إن على الخطاب السلفي المعاصر أن يدرك، إن هو أراد أن يقف في وجه التطرف، أن أي اجتهادات تخالف القرآن الكريم، وخاصة فيما يتصل بالعلاقة بين بني الإنسان، وكذلك في ما يتعلق بحرية الفرد، في ما لا يتماس سلباً مع حريات الآخرين، وما لا يقفز على القوانين، يجب ألا يؤخذ بها، وخاصة في الظرف المعاصر، التي يتكئ فيها خطاب التطرف على جزء كبير منها؛ ذلك أن أولئك المجتهدين، مع حفظ حقهم في التقدير والعرفان، إنما كانوا "يشرعنون" لتلك القضايا استجابة لظروف سياقاتهم السياسية والاجتماعية؛ مع اليقين بأن ما كان يصلح لأزمنتهم، ليس بالضرورة يصلح لأزمنتنا، وأنه "حيثما تكون المصلحة فثم شرع الله".

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.