ترامب: ‬أميركا ‬فقط ‬أولاً

عبدالله بن بجاد العتيبي

نشر في: آخر تحديث:

في‎ ‬حفل ‬تنصيب ‬الرئيس ‬الأميركي ‬الخامس ‬والأربعين ‬دونالد ‬ترامب ‬ألقى ‬الأخير ‬خطابه ‬مؤكداً ‬أولاً ‬وقبل ‬كل ‬شيء ‬أن ‬سياساته ‬الداخلية ‬والخارجية ‬ستقوم ‬على ‬مبدأ ‬أساسي ‬هو ‬أن «‬أميركا ‬فقط ‬أولاً» ‬وهو ‬يعني ‬ذلك ‬على ‬المستويات ‬كافة ‬سياسياً ‬واقتصادياً ‬وعسكرياً ‬وغيرها. هذا‎ ‬أمر ‬بديهي، ‬وكل ‬زعيم ‬قديم ‬أو ‬حديث ‬يقود ‬أمة ‬أو ‬دولة ‬أو ‬شعباً ‬يجب ‬أن ‬يؤكده ‬ويعلنه ‬ويسعى ‬إليه، ‬فأي ‬مصلحة ‬لا ‬يمكن ‬أن ‬تقدم ‬على ‬مصلحة ‬الدولة، ‬وهذا ‬حق ‬مشروع ‬لرئيس ‬الولايات ‬المتحدة ‬الجديد، ‬لا ‬يمكن ‬أن ‬يزايد ‬عليه ‬فيه ‬أحد ‬من ‬خصومه ‬الداخليين ‬أو ‬الخارجيين، ‬وإن ‬لم ‬يخل ‬الأمر ‬من ‬تشغيب ‬إعلامي ‬واسع.

بدأ‎ ‬الرئيس ‬ترامب ‬قراراته ‬سريعاً ‬بغاية ‬القضاء ‬على ‬إرث ‬سلفه ‬باراك ‬أوباما، ‬وخصوصاً ‬ما ‬كان ‬يبديه ‬أوباما ‬من ‬انعزالية ‬وانسحابية ‬عرف ‬بها، ‬أدّت ‬إلى ‬إضعاف ‬مكانة ‬أميركا ‬حول ‬العالم إلى حد ‬غير ‬مسبوق، ‬وقد ‬كتب ‬كاتب ‬هذه ‬السطور ‬في ‬أكتوبر ‬2015 «‬فسيكون ‬لأميركا ‬عاجلاً ‬أم ‬آجلاً ‬رئيس ‬لن ‬يرضى ‬بكل ‬هذا ‬الضعف ‬والانعزال ‬والخلط»، ‬وقد ‬تم ‬تنصيب ‬هذا ‬الرئيس ‬يوم ‬الجمعة ‬الماضي ‬يناير ‬2017.

لم‎ ‬يكن ‬تنبؤاً، ‬ولكنه ‬منطق ‬التاريخ ‬وحكمة ‬الأمم ‬التي ‬تؤكد ‬أن ‬الدول ‬بالغة ‬القوة ‬لا ‬ترتضي ‬قائداً ‬بالغ ‬الضعف، ‬وأنها ‬ستفتش ‬عن ‬بديل ‬يمنحها ‬شعورها ‬العميق ‬بالقوة ‬والفخار ‬الوطني ‬ويحمي ‬مصالحها ‬ويمثل ‬مكانتها ‬المستحقة ‬بين ‬الدول ‬والأمم.

وبالنسبة ‬إلى دولنا، ‬فإن ‬من ‬أصعب ‬المهمات ‬مهمة ‬خلق ‬آليات ‬ثابتة ‬لخلق ‬النخب ‬وتمكينها ‬في ‬أي ‬دولة ‬وأي ‬مجتمع، ‬وعملية ‬الخلق ‬صعبة ‬وأصعب ‬منها ‬عملية ‬التمكين، ‬لأن ‬الخلق ‬يحتاج إلى استراتيجيات ‬متكاملة ‬للصعود ‬بالمجتمع ‬بأكمله ‬إلى مصاف ‬الأمم ‬المتحضرة ‬في ‬التعليم ‬والوعي ‬والإمكانات، ‬مع ‬توفير ‬اقتصاد ‬فاعل ‬وتنمية ‬مستدامة ‬وخلق ‬فرص ‬للنجاح ‬تكون ‬أسرع ‬في ‬أدائها ‬من ‬احتياجات ‬الشعب ‬ومعدلات ‬النموّ ‬السكاني، ‬كما ‬أن ‬التمكين ‬يحتاج ‬إلى استراتيجيات ‬تقضي ‬على ‬الممانعة ‬الطبيعية ‬التي ‬ستمارسها ‬البيروقراطية ‬الحكومية ‬ورفض ‬الراسخين ‬فيها ‬حفاظاً ‬على ‬مكانتهم ‬ومصالحهم ‬الشخصية.

اللحظة‎ ‬التاريخية ‬التي ‬نعيشها ‬اليوم ‬في ‬العالم ‬العربي ‬هي ‬لحظة ‬أفلت ‬فيها أيديولوجيات ‬قومية ‬ويسارية ‬وإسلاموية، ‬وبرزت ‬فيها ‬دول ‬الخليج ‬العربي ‬بقيادة ‬المملكة ‬العربية ‬السعودية ‬ودولة ‬الإمارات ‬العربية ‬المتحدة ‬كمركز ‬ثقل ‬جديد ‬في ‬السياسة ‬الإقليمية، ‬ولا ‬يعكر صفو ‬ذلك ‬شيء ‬كما ‬يعكره ‬ارتهانان ‬كبيران ‬على ‬المستوى ‬الثقافي ‬وعلى ‬المستوى ‬الإعلامي.

فعلى‎ ‬المستوى ‬الثقافي ‬لم ‬يزل ‬كثير من ‬مثقفينا ‬ومسؤولينا ‬يستمدون ‬رؤاهم ‬وتفكيرهم ‬من ‬مثقفين ‬عرب ‬ينتمون ‬إلى تلك ‬اللحظات ‬الآفلة، ‬يتبعونهم ‬ويقلدونهم ‬ويحذون ‬حذوهم، ‬دون ‬قدرة ‬حقيقية ‬على ‬الانعتاق ‬وخلق ‬مجال ‬ثقافي ‬جديد ‬يعيد ‬ترتيب ‬الأولويات ‬ويُنضج ‬الرؤى ‬ويدعم ‬التقدم ‬العلمي ‬على ‬‬المستويات كافة.

إن‎ ‬حجم ‬الإنفاق ‬على ‬المجالات ‬الثقافية ‬في ‬دول ‬الخليج ‬على ‬سبيل ‬المثال ‬مع ‬ريادته ‬وقوة ‬حراكه ‬لم ‬يصل ‬بعد ‬إلى المستوى ‬المطلوب، ‬وترجمة ‬ذلك ‬عملياً ‬بأخذ ‬زمام ‬القيادة ‬الثقافية ‬لن ‬يتحقق ‬إلا ‬بمزيد من ‬تخطيط ‬ودعم ‬لإبراز ‬الدور ‬الثقافي ‬والحضاري ‬عموماً ‬لدول ‬الخليج ‬العربي ‬وتمكين ‬مواطنيها، ‬ويمكن ‬الاستفادة ‬من ‬العديد ‬من ‬المثقفين ‬العرب ‬حين ‬يعون ‬الدور ‬الجديد ‬لدول ‬الخليج ‬العربي، ‬وكثير ‬منهم ‬يعرف ‬هذا، ‬ولكنهم ‬بحاجة إلى توضيح ‬الرؤية ‬والتوجه.

وإعلامياً،‎ ‬ثمة ‬فجوةٌ ‬لم ‬تردم ‬بعد ‬بين ‬الكوادر ‬الإعلامية ‬ذات ‬الكفاءة ‬العالية ‬والخبرة ‬العميقة ‬من ‬غير ‬مواطني ‬دول ‬الخليج ‬العربي ‬وبين ‬التوجهات ‬السياسية ‬والثقافية ‬لهذه ‬الدول، ‬فانتشار ‬التغطية ‬السلبية ‬لتنصيب ‬الرئيس ‬الأميركي ‬الجديد ‬في ‬العديد ‬من ‬هذه ‬الوسائل ‬لا ‬يراعي ‬الحساسية ‬السياسية ‬لمستقبل ‬علاقات ‬هذه ‬الدول ‬مع ‬أميركا.

أخيراً، ‬وعوداً ‬على ‬بدء، ‬يكفي ‬مراقبة ‬إيران ‬وكيف ‬ستسعى- وقد ‬بدأت ‬بالفعل- لإيجاد ‬علاقات ‬أكثر ‬حميمية ‬مع ‬دول ‬الخليج ‬العربي، ‬خوفاً ‬من ‬الرئيس ‬ترامب.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.