الإمارات والشراكة مع الهند

عبدالله بن بجاد العتيبي

نشر في: آخر تحديث:

في زيارة مهمة، دعت الهند صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي لزيارتها في مناسبة خاصة هي احتفال الهند بيوم الجمهورية، وقد استقبلته الهند بالترحاب كضيف رئيس في يوم فرحتها. قيمة الهند الاستراتيجية في تصاعد مطرد، وهي دولة كبرى اليوم كما أنها مرشحة كبرى لتكون قائدة في المستقبل ومركزاً عالمياً للقوة السياسية والاقتصادية، فاقتصادها ومعدلات النمو فيها في تصاعد، وسيتزايد تأثيرها على المستوى الدولي في المستقبل القريب والبعيد. العلاقات مع الهند تجد إرثاً عريقاً في التاريخ القديم والحديث، كما أن موقعها الجغرافي المهم بالنسبة لدول الخليج يشكل سنداً بالغ القيمة في أي رؤية لبناء شراكة مستقبلية معها، فقد كان الخليجيون يرحلون إليها مبكراً بغرض التجارة وبيع منتوجاتهم وبخاصة من اللؤلؤ واستيراد كل ما يحتاجونه من بضائع.

واحد من المفاهيم الكبرى الذي تتبناه دولة الإمارات العربية المتحدة هو مفهوم «التسامح» وهو مفهوم راسخ في عادات وتقاليد شعب الإمارات، وهو كذلك مفهوم مهم لرؤية الدولة المدنية الحديثة الذي تبنيه الإمارات، الدولة التي تستقبل الجميع، وتفتح أياديها للعالم ثقافياً واقتصادياً ودينياً واجتماعياً، وهو مفهومٌ يتم ترسيخه بطرائق متعددة في مناهج التعليم وفي خطب المساجد وفي وسائل الإعلام وفي كل المجالات.

يروي الإماراتيون العديد من القصص عن تسامح قياداتهم من الآباء المؤسسين وعلى رأسهم المغفور له الشيخ زايد والمغفور له الشيخ راشد، مع كل الجنسيات والأعراق والأديان والمذاهب، وهو أمر ورّثوه لأبنائهم من القيادات الحالية، من صاحب السمو الشيخ خليفة إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد.

زيارة الشيخ محمد بن زايد إلى الهند تستحضر هذا البعد المهم في التجربة الهندية، فالهند لها تجربة تاريخية في موضوع التسامح، فالشعب الهندي الذي تجاوز تعداده السكاني المليار ومئتي مليون نسمة يتعايش مع بعضه في سلام وتسامح على الرغم من أن الديانات والمذاهب والطوائف والثقافات التي ينتمي إليها الشعب لا تعد ولا تحصى، وما صنعته الهند هو أنها استخدمت هذا الاختلاف كنوع من الثراء الثقافي الذي يجمع الجهود لخدمة مصلحة الوطن وترقيته في سلم الحضارة، وتجنبت المآسي التي عاشتها أمم ودول أخرى جراء عدم قدرتها على خلق تناغم وتسامح راسخ بحماية القانون.

أبرز رمزٍ قدمته الهند للعالم أثناء مشروعها للاستقلال عن بريطانيا كان المهاتما غاندي الذي أصبح رمزاً دولياً للسلام والمحبة والتسامح، وقد كان له أثر كبير في مواجهة العنف الطائفي الذي اندلع بعد الاستقلال ورفضه المستمر للمجازر الطائفية التي كانت تندلع بين الحين والآخر في ذلك الوقت ولجوئه الشهير إلى الإضراب عن الطعام حتى تنتهي تلك المجازر.

ويمكن المقارنة هنا بالتجربة السنغافورية التي تحدث عنها طويلاً مؤسس سنغافورة الحديثة «لي كوان يو»، وروى كيف كانت الفكرة جليةً في ذهنه برفض كل أنواع التمييز بين المواطنين بسبب العرق أو الدين أو اللغة، وكيف كان نجاحه كبيراً حين حوّل هذه الفكرة لواقع معيش وثابت في سنغافورة، ولكن نجاح الهند يعد أكبر بكثيرٍ لاختلاف المعطيات الواقعية بين التجربتين من حيث المساحة والتاريخ وعدد السكان وحجم التنوع.

تفخر الإمارات بأنها أول دولةٍ تعين وزيرة للتسامح ووزيرة دولة للسعادة، وهو أجلى تمثيل تنفيذي لترسيخ هذه المفاهيم ومنحها الرعاية الكاملة في مؤسسات الدولة، كما تفخر بعدد جنسيات المقيمين على أرضها من شتى جنسيات العالم ومن كل ألوانه وأعراقه وأديانه ولغاته وثقافاته. أخيراً، ففي كل دين وكل ثقافة وكل حضارة إرث للتسامح وآخر للتعصب، وإحياء روح التسامح والمحبة هو الضامن لبلدان مستقرة ترفض التعصب والكراهية.

*نقلا عن صحيفة "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.