هل يتراجع الاقتصاد الأميركي؟

وحيد عبد المجيد

وحيد عبد المجيد

نشر في: آخر تحديث:

لم يتأخر الرئيس دونالد ترامب في تنفيذ تعهده بإلغاء اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ، الذي كانت إدارة أوباما قد وقّعته مبدئياً في فبراير 2016، ولم تكتمل إجراءات المصادقة عليه. كان قرار إلغاء هذا الاتفاق في مقدمة القرارات التي وقّعها ترامب فور توليه منصبه رسمياً الأسبوع الماضي.

ويثير هذا القرار أسئلة كبيرة عن التداعيات المحتملة للسياسات المترتبة على اقتناع ترامب بحاجة الولايات المتحدة إلى سياسة حمائية تضع حداً لتحرير علاقاتها التجارية، ومستقبل الاقتصاد الأميركي في ظل هذا الاتجاه الجديد، والمكاسب والخسائر التي ستنتج عنه.

ورغم أن اتفاق الشراكة عبر الهادئ لم يُختبر، لأنه لم يدخل حيز التنفيذ، فربما يؤدي إلغاؤه إلى آثار سياسية سلبية على العلاقات بالدول المنضمة إليه، وعددها 11 دولة، ويمنح الصين فرصة تاريخية لتأسيس تكامل اقتصادي إقليمي «أوروآسيوي» تلعب فيه الدور القيادي. وقد لا يكون من الحكمة سياسياً واقتصادياً في آن معاً إلغاء اتفاق تنتظره دول استثمرت واشنطن طويلاً في العلاقات مع بعضها، وبذلت جهوداً لتدعيم مصالحها مع بعضها الآخر. وربما يؤثر ذلك سلبياً في موقع الولايات المتحدة في النظام العالمي الذي يتشكل الآن.

وإذا كانت التداعيات السلبية لإلغاء هذا الاتفاق تتركز في التخلي عن فرص مهمة لتدعيم دور الولايات المتحدة في المنطقة الاستراتيجية الأكثر أهمية بالنسبة إليها في الفترة المقبلة، فربما تكون الخسارة أكبر في حالة إقدام ترامب على إلغاء اتفاق «نافتا» لتحرير التجارة مع كندا والمكسيك، بعد العمل به لمدة 17 عاماً. فقد تحدث ترامب عن آثار سلبية للتجارة الحرة مع المكسيك على الصناعة الأميركية. غير أن لهذا الاتفاق آثاراً إيجابية مهمة للاقتصاد الأميركي في الوقت نفسه، خصوصاً في شقه المتعلق بالتجارة مع كندا، التي أصبحت بفضله أكبر سوق لصادرات كثير من الولايات الأميركية.

ولأن ترامب يريد من إلغاء الاتفاق أن يعيد للأميركيين الوظائف التي خسروها نتيجة نقل كثير من المصانع إلى المكسيك، فسيكون عليه أن يوازن بين هذا المكسب وبين خسارة كثير من العاملين في القطاعات المعتمدة على التصدير إلى كندا وظائفهم، فضلاً عن الركود الذي سيصيب هذه القطاعات ويؤثر سلباً في الناتج المحلي الإجمالي.

كما أن ترامب لا يضمن إعادة المصانع الأميركية من المكسيك عند إلغاء الاتفاق الذي يسمح لها بشحن منتجاتها إلى الولايات المتحدة من دون رسوم جمركية، بسبب الفرق الكبير بين مستويات أجور العمال في البلدين.

ولا يقتصر التغيير المتوقع في السياسة الاقتصادية الأميركية على قضية تحرير التجارة. فقد تعهد ترامب في حملته الانتخابية بخفض الضرائب، والتزم في الوقت نفسه بزيادة كبيرة في الإنفاق على البني التحتية، وقد يؤدي ذلك إلى تحميل الاقتصاد أعباء تُرهقه. فخفض الضرائب يعني تقليل موارد الدولة، بينما زيادة الإنفاق العام تحتاج إلى مزيد من هذه الموارد. والنتيجة المتوقعة في مثل هذه الحالة هو اللجوء إلى الاقتراض، وبالتالي تفاقم العجز في الموازنة الأميركية الفيدرالية مُجدَّداً، بعد أن أمكن خفضه فأصبح في العام الجاري نحو ثلث ما كان عليه عام 2008.

لكن المشكلة لا تقتصر على زيادة عجز الموازنة، بل ربما يكون أهم ما فيها توسع الاعتماد على الصين لأنها الأكثر قدرة على شراء أذون الخزانة الأميركية وسنداتها، وهي الحائز الأكبر حالياً لهذه الأذون والسندات. وستكون المشكلة أكثر تعقيداً في حالة تنفيذ ترامب التزامه الانتخابي بالسعي، في الوقت نفسه، إلى تعديل قواعد التجارة مع الصين، وممارسة ضغوط عليها لهذا الغرض. ويعني ذلك أن ثمة تعارضاً جزئياً على الأقل بين هذين الالتزامين، لأن أحدهما يفرض الحد من التوتر في العلاقة مع الصين، بينما الثاني يؤدي إلى زيادة هذا التوتر.

وهكذا يبدو أن الاقتصاد الأميركي مقبل على تحديات كبيرة، بعد أن بدأ يتعافى من آثار الأزمة الكبيرة التي بدأت في نهاية 2008، واستعاد قدرته على النمو بمعدلات تراوحت بين 2 و3.9% في السنوات الأخيرة. فهل تعاني الولايات المتحدة تراجعاً اقتصادياً جديداً؟ السؤال مطروح فعلاً، واحتمال التراجع ليس بعيداً إذا لم يتعامل ترامب مع تعهداته الانتخابية بمرونة وحكمة. لذلك تراقب الأوساط الاقتصادية الدولية سياسة ترامب الحمائية بقلق ظهر ما يدل عليه في الاجتماع الأخير لمنتدى «دافوس».

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.