عاجل

البث المباشر

ممدوح المهيني

<p>صحفي سعودي</p>

صحفي سعودي

هل حق الإجهاض أهم من الإرهاب الإيراني؟

للأميركيين، مثل الشعوب الأخرى، صراعاتهم المحلية المريرة التي لا نعرف عنها كثيراً. في الاقتصاد يتصارع الجمهوريون والديمقراطيون حول حجم الحكومة ومعدل الضرائب. الجمهوريون يريدونها حكومة أصغر وضرائب أقل، والديمقراطيون ينشدون العكس. حكومة أكبر بمخالب حادة تجبر الأثرياء على دفع ضرائب مرتفعة.

يرى الجمهوريون أن الفرد يصنع نفسه ويخلق حلمه بالاعتماد على ذاته، مذكرين أن هذا ما صنع أميركا التي ما زالت دولة فتية، رغم أنها تجاوزت المائتي عام منذ استقلالها في 1776. يسخرون من الديمقراطيين الذين يريدون حكومة بمواصفات أمّ حنون تطعمهم وتسقيهم وتضعهم في حجرها من المهد إلى اللحد. يقولون إن هؤلاء "الاشتراكيين" المتسترين يريدون تحويل أميركا لفرنسا جديدة لا يهتم أهلها الكُسالى إلا بالثرثرة في المقاهي وتذوق الأجبان والتخطيط لإجازاتهم الصيفية المقدسة.

الديمقراطيون بدورهم لا ينقصهم سهام الاتهامات والسخريات. فالجمهوريون، كما يرددون، سمان شديدو الطمع والأنانية ويستفيدون من الخدمات الحكومية ولا ينفعون غيرهم. متباهون ومتعالون ونسجوا كذبة الصعود للوصول إلى أعلى مستويات الثراء بينما الحقيقة أن العائلات الثرية تزداد ثراء والبقية تنحدر في الفقر. يتهمونهم بالعنصرية واحتقار الأقليات والسود. يرى الديمقراطيون أنهم أكثر أخلاقية من الجمهوريين من خلال مطالبتهم بالعدالة الاجتماعية وكبت جشع التجار والمضاربين، الذين تسببوا بخلق الأزمة المالية التي خضت العالم في عام 2008.

سياسياً الجمهوريون صقور مؤمنون بالاستثناء الأميركي ودور أميركا قائدة العالم الحر، القادرة على معاقبة الأشرار والحفاظ على النظام الدولي، الذي أسسوه بعد الحرب العالمية الثانية، بعدما هزموا النازية والفاشية. على عكسهم الحمائم الديمقراطية الانعزالية التي لا تؤمن بالتدخل وتكره لعب دور الشرطي وحامي النظام العالمي وتشكك بمنطقية وأخلاقية الاستثناء الأميركي، وانتهت إلى ترويج فكرة العالم المتعدد الأقطاب لترفع عن كتف بلادها عبء مسؤولية حراسة العالم وتحضره. دينياً يحافظ الجمهوريون على القيم المسيحية المحافظة ويطعّمونها في أحاديثهم وخطبهم ويؤمنون بتدريس الدين في المناهج، ويمقتون رواية داروين لنشوء الإنسان والانفجار الكبير لنشوء العالم، ويتهمون الليبراليين بتحويل الجامعات لثكنات يسارية تخرج طلاباً ثائرين يمقتون أميركا، ولا يرون فيها إلا القوة الغازية الملطخة بدماء الشعوب الضعيفة من الهنود الحمر حتى العراقيين. على الضد منهم الديمقراطيون الذين يحاربون بشراسة تدريس الدين في المدارس، مرددين الحجة القائلة: "أي دين يدرس والطلاب ينتمون لأديان ومذاهب مختلفة"، مؤيدين بقوة للعلم ويشغلهم الاحتباس الحراري أكثر من الإرهاب، ويرون في الجمهوريين والمحافظين مجرد حمقى يؤمنون بالخرافات التي تنقضها الحقائق العلمية.

المعركة تستعر أكثر على الجبهة الاجتماعية، بسبب قضايا مثيرة للجدل، مثل الإجهاض وزواج المثليين والمتحولين جنسياً. الجمهوريون يعارضون الإجهاض بحجة أنه جريمة قتل للجنين والمرأة لها الحق بقتل نفسها وليس قتل ما في رحمها.

أما زواج المثليين فهم معارضون له بشدة، لأنه مدمر للعائلة - التي تشكل أساس المجتمعات الطبيعية - ومعارض للقيم الدينية والأعراف الاجتماعية. الديمقراطيون بدورهم مؤيدون للإجهاض وحجتهم أن المرأة مسؤولة عن جسدها ومشاهيرهم من نجوم الإعلام والسينما من أكبر الداعمين لحقوق المثليين والقضايا المرتبطة بهم، ويجادلون بذلك بخطاب قيم الحرية الجنسية والفردية. صنعوا من هذه القضايا أفلاماً "أسطرت" رموزها وحولتهم إلى أبطال ومناضلين.

هذا الصراع قديم وعميق الجذور، ولكن زادت سخونته مع وصول بوش الابن واستعر مع أوباما وانفجر الآن مع ترمب. الصحافيون ونجوم السينما ومعلقو برامج التوك شو في غالبيتهم العظمى ديمقراطيون سياسياً وليبراليون يساريون فكرياً. يسخرون من ترمب لأنه انتصر عليهم وأخرج مرشحتهم هيلاري ذليلة. لكن السبب الأهم خلف حملتهم القاسية عليه يتمثل في أنهم يعارضونه في كل القضايا الجدلية المحلية التي ذكرناها. في حجم الحكومة ودورها والحرية الجنسية والإجهاض والتعليم وغيرها.

يغضبهم ترمب لأنه لا يصمت، بل يرد عليهم من خلال حسابه بتوتير، ويسمي إعلامهم "غير الأمين" بـ"الزبالة" و"الفاشل"، كما وصف مراراً النيويورك تايمز التي ناصبته العداء من أول يوم. يريدون تحطيمه لأنه يعارض قيمهم ومبادئهم وأحلامهم ولا يهمهم أو حتى يخطر على بالهم دور أميركا على المسرح العالمي. قضية الإجهاض، على سبيل المثال، أهم بالنسبة لهم من وقف الإرهاب الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، الذي دمر بلداننا. هذا طبيعي، فهم في النهاية أميركيون تهمهم حياتهم الخاصة وليسوا مصريين أو لبنانيين أو سعوديين.

لكن لماذا ننجرف في المعارك الداخلية التي لا علاقة لنا بها، ونزايد على الأميركيين أنفسهم في نقد ترمب، رغم أن رؤية إدارته تتوافق مع مصالحنا في أهم ملفين على الإطلاق، وهما محاربة نظام الملالي وتدمير جماعات الإرهاب. من المفهوم أن يكره إدارته المتطرفون الإسلاميون والإخوان المسلمون والسابحون في الفلك الإيراني، الذين يشنون عليها حرباً شرسة ويتهمونها زوراً بعداء المسلمين، من أجل رفع مستوى التعصب، لأنها ضد مشاريعهم السياسية والفكرية (ولهذا السبب كان خطابهم الناعم مع إدارة أوباما)، لكن لماذا يشتمه غالبيتنا من يريد أن يتخلص من الميليشيات الإيرانية والجماعات الداعشية التي دمرت بلداننا وهزت استقرارها وارتكبت المجازر في حق أطفالنا. لماذا نرمي الطوب والحجارة على من يريد أن يعاقب أعداءنا، لأن لون شعره لم يعجبنا ولم يمسك يد زوجته بحنية، كما يفعل أوباما أو لا يعرف كيف يغرد أو يتكلم في المؤتمرات الصحافية. شيء محير والتفسير الوحيد لديّ أننا لا نفرق بين الصراع الداخلي والخارجي وننساق بسهولة وعاطفة لهجوم آلة الإعلام والسياسيين ونخوض معهم معاركهم الحزبية الضيقة ضد مصالحنا على المدى الطويل. لديهم أسبابهم المنطقية بوجهة نظرهم، ولكن ما هي أسبابنا نحن. هذا هو تفسيري الوحيد: المشاركة في المعركة الخطأ وضد الخصم الخطأ وفي الوقت الخطأ. هل هناك تفسير آخر؟ لا أعرف.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات