لا علاقة بين البطالة ووزارة العمل

فهد الدغيثر

نشر في: آخر تحديث:

كثيرون في الدول النامية يلقون باللائمة على وزارة العمل، بسبب شح الوظائف اللائقة أمام تنامي عدد طلاب الوظائف. حدث ذلك في السعودية كثيراً على سبيل المثال، وكانت هذه المواضيع ساخنة جداً في حوارات المجتمع. لعلكم تتذكرون الوزير الراحل غازي القصيبي وما تعرض له من لوم وشتائم، لأن نسب توطين الوظائف في المملكة وفي زمن الوزير لم ترتفع كما هو مأمول. ونذكر أيضاً الوزير عادل فقيه الذي تسلم الوزارة خلفاً للقصيبي - رحمه الله -، وقد تلقى هو الآخر كل أنواع السبّ والازدراء والدعاء البغيض من البعض.

ما يغيب عن الكثيرين أن التوظيف ليس من صميم عمل الوزارة، الذي يقتصر فقط على تنظيم العلاقة بين الموظِّف والموظَّف، من خلال وضع الأنظمة التي تهيئ لعلاقة متوازنة بين الطرفين، وعليها أيضاً مسؤولية نشر المعلومات الدورية عن نسب البطالة والرواتب ونحو ذلك، في معلومات إحصائية يستفيد منها الباحثون والمشرعون. وزارة العمل أو الحكومة برمتها وخلافاً للوظائف التابعة لأجهزتها (الوظائف الحكومية) لا تخلق وظائف جديدة.

قبل أسبوعين التقيت من طريق الصدفة الحسنة وعلى عجالة معالي وزير العمل والتنمية الاجتماعية في المملكة الدكتور علي الغفيص، وتمنيت من معاليه أن يقوم بدراسة مستفيضة عن واقع الوظائف المتاحة اليوم في المملكة. لا أتحدث عن عددها فقط، بل عن مستوياتها وأنواعها وما تقدمه للموظف من رواتب وبدلات ومحفزات. لو تنفذ هذه الدراسة سنكتشف أن سوق العمل لدينا في القطاع الخاص يعاني من إعاقة، بل إعاقات متنوعة. الحديث هنا تحديداً عن الوظائف التي توفرها الشركات والمؤسسات الأهلية. ففيما عدا قطاع أو قطاعين ووجود ملايين الوافدين للعمل، ومعظمهم يقبل أدنى درجات سلم الرواتب، لا توجد حقيقة أي وظائف تليق بمتخرج جامعي طموح، وربما يحمل شهادة من جامعة غربية عريقة.
نعم، هناك استثناءات بالطبع، فالقطاع المصرفي في السعودية تفوق في هذا المجال، وتطورت خدمات المصارف في شكل مذهل فاق في مستوياته، ليس فقط دول الجوار، بل فاق دولاً غربية وشرقية كبرى. الفضل في ذلك يعود لدخول مجموعة «سيتي بنك» هذا القطاع مطلع التسعينات، عندما كانت شريكاً مؤسساً لما يعرف اليوم بالبنك السعودي الأميركي.

«مجموعة سيتي» نقلت الصناعة المصرفية إلى مستويات غير مسبوقة في المملكة، بل وفي المنطقة العربية، وأجبرت المصارف الأخرى على اللحاق بها. النتيجة تقدم مبهر في مستويات الجودة المصرفية، وراحة هائلة، واهتمام كبير بالعملاء، لكن الأهم من ذلك وجود الحاجة إلى موظفين مهرة وبأعداد كبيرة، كي تحافظ على هذا المستوى المميز.

ومثال آخر على التفوق، هناك شركات الاتصالات الأربع العاملة في المملكة حالياً، وتشرفت بعضوية مجلس إدارة واحدة منها، كون القطاع يخضع للمنافسة المفتوحة مع شركات العالم. اضطرت هذه الشركات إلى خوض التنافس لكسب العملاء، وهكذا تولدت الحاجة إلى مزيد من فرص العمل اللائقة لأبناء وبنات الوطن، للمحافظة على مستويات الجودة. فإدارة التسويق تحتاج إلى العشرات وليس إلى موظف علاقات عامة فقط. موظفو خدمة العملاء بالآلاف، خوفاً من تفوق مشغّل على مشغّل. الإدارات المالية وحسابات العملاء اضطرت إلى تطبيق أكبر البرامج المختصة للفوترة الآلية وأضخمها، وبالتالي وجود الحاجة إلى تشغيلها بواسطة مؤهلين مدربين.

ماذا لو لم يوجد مستثمر أجنبي مثل «سيتي بنك» ولا تنافس دولي في قطاع الاتصالات، وبالتالي انتفاء الحاجة إلى التطوير في هذه القطاعات؟ هل كنا سنشاهد هذه الجيوش من الموظفين والموظفات في هذين القطاعين؟ الحديث نفسه ينطبق على عمل الهيئة الملكية للجبيل وينبع، و «أرامكو»، و «سابك»، وعدد جيد من المنشآت الصناعية المتفوقة. المؤسف هنا أن كل ما يتوافر من وظائف في هذه الجهات التي أشرت إليها قد لا يشكل وبتفاؤل إلا ٢٥ في المئة من عدد الوظائف المطلوبة في سوق العمل السعودية، نسبة إلى حجم البلاد وعدد سكانها وخريجي جامعاتها كل عام. من هنا ستبقى البطالة لدينا - في نظري - هماً كبيراً وهاجساً مؤرقاً ومقلقاً. ولو أجرت الوزارة الدراسة التي أشرت إليها في حديثي الخاطف مع معالي الوزير، فستظهر النتائج ربما قريبة جداً من هذه النسبة، وستلاحظ الحكومة عمق المشكلة، وتبحث عن خطوات غير مسبوقة في مجتمعنا للتصدي لها.

لكن ماذا عن نسبة الـ٧٥ في المئة‏ الباقية؟ أين هي؟ هذا سؤال مشروع بالطبع إذ سيقول أي قارئ هنا إن المملكة تستطيع توظيف الخريجين إذا تم الاستغناء عن ملايين الوافدين. هذا القول وعلى رغم منطقيته، إلا أنه لا يشكل إلا ربع الحقيقة. في السعودية تحديداً توجد هذه النسبة أو العدد من فرص العمل، ولكنها أعمال لا ترتقي للحاجة إلى موظف بالمعنى الصريح للمفردة، بل إلى عمالة فقط مع الأسف. الصيانة بكافة أنواعها، سواء المنزلية أم الحكومية تشكل جزءاً مهماً منها.

قطاعات الضيافة الرديئة - المتمثلة بما يسمى زوراً وظلماً «شقق مفروشة» وأقرب وصف لتسميتها هو «مأوى» أو «ملجأ» - توظف آلاف العمال الذين لا علاقة لهم بالضيافة والفندقة وبرواتب متدنية جداً. المطاعم السريعة لدينا المنتشرة على شكل دكاكين وبخلاف بعض الأسماء الكبيرة توظف الكثيرين، لكنها وظائف ومهمات لا تخضع لأي مواصفات تجبر رب العمل على البحث عن مؤهلين برواتب مجزية. ماذا عن قطاع التجزئة؟ ستكشف هذه الدراسة أن البقالات وحدها وهي غير قابلة أصلاً بمستوياتها الحالية لتحمل راتب وظيفة لائقة لشاب سعودي، هذه البقالات القذرة مسؤولة عن توظيف مئات الآلاف من العمالة غير المدربة، سواء دخلت هذه العمالة هنا بطرق نظامية أم خلاف ذلك.

إضافة إلى كل ما ذكرت هنا، وخلافاً للتنوع الموجود في كل دول العالم الصناعية المتقدمة، في بلادنا لا توجد أنشطة سياحة المؤتمرات وتنظيمها، ولا سياحة الآثار والمناطق الباردة، ولا توجد لدينا سياحة تنظيم المناسبات الرياضية الكبرى، ولا يوجد لدينا نشاط فني لائق يعنى بالدراما والسينما والحفلات الغنائية والمسارح. هذا مع ما أشرت إليه قبل قليل يشكل نسبة الـ٧٥ في المئة‏ الغائبة عن شبابنا.

أعود إلى ما ابتدأت به، هل إعادة بناء هذه البيئة الديناميكية المتنوعة في أنشطتها والمتفوقة في جودتها تعد من مسؤوليات وزير العمل؟ ما ذنب وزارة العمل عندما يخشى المستثمر أن يضخ الاستثمارات اللائقة؟ ما علاقة هذه الوزارة في أسباب عزوف المستثمر وتردده في ضخ الأموال في الأنشطة الغائبة، أو حتى تطوير المتوافر منها، كالتجزئة والصيانة؟ الإجابة هنا تقع على كاهل الدولة ومجلس الوزراء برمته وليس وزارة العمل. هذا هو التساؤل الذي يجب ألا نتوقف في البحث عن إجابة عنه.

وتوفيراً للوقت والجهد والمال، ولمن يريد الإجابة عن هذا السؤال المؤرق، الإجابة بل كل الأجوبة متوافرة لدى الهيئة العامة للاستثمار التي تم ضمها أخيراً إلى وزارة التجارة. لدى هذا الجهاز كل الدراسات والاستبيانات المحلية والدولية التي تحمل في طياتها أسباب هذا العزوف. سندرك بعد الاطلاع والتمعن في هذه الملفات أن وزارة العمل خارج المعادلة هنا، وإلقاء اللوم عليها يعتبر مضيعة للوقت وتشتيتاً للأفكار وتضليلاً للحقيقة. مواجهة البطالة تتطلب وجود بلايين الريالات الجديدة التي تستثمر في الداخل، وتحديداً في قطاعات الخدمات المتنوعة، والتي تعتمد جودتها على وجود جيوش من المدربين للمحافظة عليها وبرواتب ومحفزات معتبرة. من جهة أخرى، وهذا شرط ضرورة، يحتاج توافر هذه البلايين إلى تأسيس بيئة جاذبة ومشجعة للاستثمار. بيئة واضحة في تفسير حقوق الأطراف، من حيث الأنظمة وسهلة ومباشرة في إجراءات التراخيص والدعم اللوجستي المطلوب. عندما نتمكن من الوصول إلى مشاهدة هذه الصورة وتستقر في عقولنا هذه القناعات فإننا في الحقيقة نكون قد بدأنا نسير بالفعل في الاتجاه الصحيح الواعد بنتائج، لطالما كنا نحلم بها منذ عقود ولا نراها.

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.