عاجل

البث المباشر

منار الشوربجي

كاتبة وباحثة سياسية مصرية

كاتبة وباحثة سياسية مصرية

أجندة في واشنطن

بينما أتابع أولى خطابات ترامب أمام مجلسي الكونغرس الأسبوع الماضي، كان في ذهني طوال الوقت خطب كان رؤساء أميركيون سابقون قد ألقوها في مثل ذلك التوقيت من عمر إدارتهم.

لقد لفت انتباهي في التعامل الإعلامي مع الخطاب ومضمون الخطاب نفسه مسائل عدة جديرة بالتأمل. أولها كان تلك الدرجات المرتفعة التي منحها الإعلام الأميركي للخطاب والتي استخدم فيها صفات تقوم كلها على صيغة أفعل تفضيل.

اللافت للانتباه لم يكن الدرجات المرتفعة وإنما كان الأساس الذي بنيت عليه، فمعظم تعليقات الإعلام والمحللين الأميركيين قارنت ترامب بنفسه لا بغيره من من الرؤساء الأميركيين الذين سبقوه، والخطاب، حسب الإعلام، كان «الأفضل» على الإطلاق الذي ألقاه ترامب منذ توليه، وكان «الأكثر تفاؤلاً» بالمقارنة بكل خطب ترامب.

ثم إن ترامب بدا هو وخطابه، «لأول مرة منذ توليه رئيساً»، وبحكم التخصص، فقد تابعت عن كثب رؤساء أميركيين سابقين فور توليهم، وفي كل مرة كان المحللون الأميركيون يستحضرون المقارنة بالرئيس السابق مباشرة أو برؤساء سابقين من حزب الرئيس أو حتى من التاريخ الأميركي للتعليق على أداء الرئيس الجديد.

لكن تلك هي المرة الأولى التي أجد فيها المحللين يلجؤون لمقارنة الرئيس بنفسه لا بغيره في دلالة تشير إلى أن الإعلام الأميركي ومحلليه صاروا على ما يبدو يضعون ترامب في تصنيف خاص بنفسه لا يجوز مقارنته بمن سبقوه، ومقارنة الرئيس بنفسه بإمكانها الوقوف على أي تقدم إيجابي في أدائه لكنها تقدم تحليلات مقطوعة الصلة بالسياق التاريخي ولا تسمح برصد الاستمرارية والتغير في السياسة الأميركية الداخلية والخارجية على السواء.

أما المسألة الثانية اللافتة للانتباه، فهي أن خطاب الرئيس لم يعلن عن أي مشروع قانون أو حتى برنامج للرئيس تم التقدم به فعلاً للكونغرس، بما في ذلك بالمناسبة مشروعه للميزانية التي تحدث عنها مطولاً في خطابه.

والسياق التاريخي الأميركي، هنا، يكون بالغ الأهمية، فتعبير «المئة يوم» الشهير يعتني في جوهره بالأهمية البالغة للتوقيت في صنع السياسة في واشنطن، والرئيس بمجرد توليه يتمتع بما يسمى «شهر العسل» الرئاسي، أي يكون الرئيس في أفضل حالاته في التفاعل مع الكونغرس الذي يكون منفتحاً على مقترحاته أكثر من أي وقت لاحق، فهو انتخب لتوه ولا يزال يتمتع بالزخم السياسي الناتج عن الفوز في الانتخابات.

لذلك يحرص الرئيس الجديد على أن يتقدم، وبسرعة فائقة، بأهم أولوياته للكونغرس في صورة مشروعات وبرامج حتى يحصل على الموافقة وهو لا يزال يتمتع بذلك الزخم، وكل تأخير معناه الخصم من فرصه في تحقيق إنجاز يساعده لاحقاً حين يخبو الزخم ويحتاج لما يساعده على البقاء متمتعاً بشعبية معقولة هي الرادع الوحيد الذي يمنع الكونغرس من تحديه.

لكن أياً من ذلك لم يحدث في حالة ترامب، فالشهر الأول انقضى كله في قرارات تنفيذية لا تحتاج لتمويل، بينما أولويات الرئيس التي تتطلب تمويلاً وبالتالي موافقة الكونغرس لا تزال في صورة تعهدات وأفكار.

وثالث المسائل الجديرة بالتأمل هي أن الخطاب كان غنياً بالتأكيد على التعهدات التي قطعها ترامب على نفسه في الانتخابات، وفقيراً للغاية في التفاصيل، وتعهدات الرئيس تظل في عداد «الأفكار» فقط ما لم يتم شرحها من حيث التفاصيل.

خصوصاً المتعلقة بالتصنيف والتمويل والخصم والإضافة، فعلى سبيل المثال، لا يزال الحديث في واشنطن عند النقطة نفسها لم يبارح مكانه فيما يخص بناء الجدار العازل مع المكسيك؛ لأن البيت الأبيض لم يقدم أي تفاصيل من هذا النوع، سواء فيما يتعلق بتمويله ومن أين سيتم توفيره وكيف يمكن أن يؤثر ذلك التمويل في مشروعات أخرى تتطلب إيرادات أو تخصم منها مثل الخفض الضريبي الذي تحدث عنه الرئيس في خطابه.

وغياب التفاصيل هو المسؤول عن رد الفعل القوي من جانب أعضاء حزب الرئيس ضد مقترحاته بشأن تخفيض ميزانية وزارة الخارجية والمعونات الأميركية، وقد أعرب زعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ عن اعتقاده بصعوبة الموافقة على الخفض، بينما قال السناتور ليندزى جرام إن مثل ذلك المقترح «سيموت عند وصوله» وهو تعبير يستخدمه عادة أعضاء الحزب المنافس لحزب الرئيس ضد مشروعات قوانين يعارضونها بقوة.

ولم يكن الاثنان وحدهما من حزب الرئيس اللذين أكدا علناً رفضهما لمقترح الرئيس.

وحين تغيب أولويات الرئيس، يتولى الكونغرس تحديدها ويفرضها على الرئيس، وحين تغيب التفاصيل تنحسر قدرة الرئيس على قيادة العمل السياسي في واشنطن، وفي حالة الاستقطاب السياسي الحادة التي تعانيها واشنطن، يكون غياب القيادة هو المقدمة لصراعات لا نهائية دون فرصة للتوصل لحلول توفيقية.

*نقلاً عن صحيفة "البيان"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات