عاجل

البث المباشر

علي العميم

<p>باحث سعودي</p>

باحث سعودي

المعارضة والعقائدية الحصرية وحدهما ليستا شرط الصدق والمعرفة

اختار الزميل الصحافي عبدالله آل هيضة قبل أربع سنوات جملة من كلام لي حول تاريخ الليبرالية في السعودية، فغرد بها، وهي: أن التيار الليبرالي السعودي بغالبه تاريخياً محسوب كموالٍ للسلطة السياسية. استفزت هذه الجملة الزميل خالد الوابل الذي رأى فيها مدحاً وتقريظاً للسلطة السياسية، فغرد مستنكراً: «وحركة عمال أرامكو تدخل ضمن أي تيار، إن لم يكن قوميا ليبراليا، لربما المقصود (غلمان) الليبرالية».

استنكاره هذا هو في غير محله؛ لأن القومية ولأن الليبرالية لا صلة لهما بفحوى مطالب عمال أرامكو، فالمطالب كانت ذات بعد اجتماعي نقابي حقوقي مساواتي تولد الوعي بها في محضن يساري. فالليبرالية -وكذلك القومية في أثناء وفودها إلى السعودية، وفي ذلك الوقت في العالم العربي- كانتا غير معنيتين بالمسألة الاجتماعية، بل كانتا ضد أن تحصل الفئات الدنيا على حقوقها، وضد الوعي الطبقي لتلك الفئات. وبما أن الأمر كان كذلك في الحالة التي استشهد خالد بها -وهي حركة عمال أرامكو- فإنه نسب الفضل فيها إلى غير أهله!

ومع أن عبدالله آل هيضة أحال إلى المرجع الذي اختار منه تلك الجملة إلا أن خالد الوابل لم يكلف نفسه عناء الرجوع إلى السياق الكامل الذي وردت فيه، قبل أن يستنكر ما جاء فيها. وأحسب أني أشتط عليه في تحقيق هذا المطلب، فخالد وجماعته رأيهم هو هو لا يتغير ولا يتزحزح عن مكانه سواء اطلعوا على مصادر ومظان في الموضوع الذي يتصدون له أم لم يطلعوا عليها. ولأنهم يعرفون في أنفسهم هذه الخصلة، فهم لا يضيعون وقتهم في ما لا يجدي حتى لو كان من باب العلم بالشيء!

الجملة التي اختارها عبدالله هي مأخوذة من فقرة من مقال اسمه (جاذبية الليبرالية). والمقال هذا يقوم على مجادلة «ميل بعض المتمثلين للتيارات الدينية وللتيارات العلمانية والمنغمسين فيها، إلى محاولة تأصيل الليبرالية في ماضي تياراتهم الشمولية»، ويقوم على مجادلة الذين يتعاملون مع الليبرالية، بوصفها خطاب تزكية وتوصية معتمدة. ترفع الذين يؤمنون بها وتخفض الذين كانوا يناوئونها أو الذين كانوا يتحفظون عليها في أزمان ماضية في تاريخها العربي وتاريخها العالمي.

والفقرة كان نصها ما يلي: «إن التيار الليبرالي في الماضي السعودي ليس موجوداً في خلايا المعارضة وتنظيماتها السياسية، ولا هو ممثل بقوة في حركة الحداثة الأدبية، ومن يريد أن يتتبعه، فليبحث عنه في جهاز السلطة وفي نخبها البيرواقراطية، فهو موجود فيها منذ سنوات الخمسينات الميلادية، وموجود في قطاع رجال الأعمال الكبار، وكذلك هو موجود عند أشياخ الأدب التقليديين الذين كان ينظر إليهم أهل الحداثة بأنهم عطل من الحداثة، بحجة أن حداثتهم قد توقفت عند عتبات الرومانسية، ولم تتجاوزها إلى عتبات تلتها، كالواقعية الاشتراكية والواقعية النقدية والواقعية السحرية. وبالإمكان القول إن التيار الليبرالي في أغلبيته الكاسحة تاريخياً محسوب على خط الموالاة للسلطة السياسية».

أتذكر أن الذين ينطوون على معارضة جزئية وعلى معارضة شاملة من تيارات شتى اعترضوا بقوة على ما ورد في تلك الفقرة في منتدى (دار الندوة)، واعتبروه رأياً (شاذاً) و(متملقاً) واعتبره بعضهم (نيلاً) من فهمهم لليبرالية في سياقها المحلي والإقليمي والعالمي. ولي أن أوضح الآن أني لم أقصد الأمر الأخير ولم أتقصده، وإنما كان القصد التحقيق والتحقق في رسم مدخل منهجي للتأريخ لليبرالية في السعودية. ولأن القصد كان ذلك، انتهيت بعد فترة من الوقت من كتابة ذلك المقال إلى أن الليبرالية في السعودية قبل تسعينات القرن الماضي، لا يصح الحديث عنها بوصفها تياراً؛ لأنها كانت توجهاً موجوداً عند أفراد. وفي الفقرة التي أتيت بنصها كان من الأصوب أن استعمل تعبير النزعة الليبرالية لا تعبير التيار الليبرالي.

وفي لقاء صحافي جمعني بالزميل خالد الباتلي منشور في جريدة (الحياة) أشرت في إحدى الإجابات إلى سبب عدم تحول الليبرالية في السعودية إلى تيار، كما في بعض البلدان العربية، وكما هو حال بعض التيارات العلمانية والتيارات الدينية في السعودية.

استنكار خالد المتأخر لما قلته، أدرجه ضمن الاعتراضات في ذلك المنتدى، وهي اعتراضات كانت مستنفرة لأسباب نضالية عاطفية، ولم تكن تهتم أن يكون اعتراضها في مستوى المناقشة والمحاججة المطروحة.

كان للمؤرخ قاسم الرويس ولي عادة سنوية، وهو أن نلتقي في بعض أيام معرض الرياض الدولي للكتاب منذ أن جمعتنا في النشر (دار جداول). وقبل معرضين كنت أنا وإياه جالسين في المعرض فلمحت ولمح قاسم خالداً ومعه شخص آخر داخلين إلى ردهة المجمع الذي يضم مقهيين ومطعماً، وكانا متجهين إلى المقهى المقابل للمقهى الذي كنا جالسين فيه فسألني قاسم: هل هذا هو خالد الوابل؟ أجبته: نعم هذا هو صاحبك. فلقد تعرفت عليه من صورته الفوتوغرافية المرسومة والمرفقة بحسابه في التويتر. وقد قلت عنه إنه صاحبه، لأني كنت أرى بينهما حبلاً من الود في تعليقاتهما المتبادلة في التويتر.

نهض قاسم من كرسيه ومشى إليهما، للسلام عليهما، ودعاهما إلى الجلوس معنا واستجابا لدعوته. عرفت في ما بعد أن الشخص الذي كان مع خالد هو أحد نجوم التويتر المحليين، اللاذعين. وهو يستخدم اسمه الأول وصورة فوتوغرافية مستعارة. دار الحديث بيننا، وكنت متلطفاً في الحديث مع خالد، وكان من بين موضوعات الحديث الذي دار تطرق قاسم إلى كشفي عن صلة الجاسوس البريطاني ج. هيوارث دنّ الحميمة بحسن البنا وسيد قطب والإخوان المسلمين في الدراسة التي قدمت بها كتاب (الاتجاهات الدينية والسياسية في مصر الحديثة) الذي ترجمه إلى العربية الصديق أحمد الشنبري، فسأل خالد مستفسراً: هل صدر لك كتب؟ ثم أضاف: كأني رأيت اسمك على غلاف كتاب في إحدى دور النشر. أجبته عن سؤاله، بذكر أسماء الكتب القليلة التي صدرت لي. استنتجت من سؤاله الاستفساري الذي كان صادقاً فيه، أنه لم يقرأ لي، وحتى مقالاتي النقدية عن إبراهيم البليهي -التي علق عليها بتغريدة نسيت نصها لكن أتذكر أن معناها كان سيئاً- أشك أنه قد قرأها جيداً. ولو أنه قد قرأها جيداً، فإنه سيرفض مسبقاً ما أكتبه، بصرف النظر عن ما أقول؛ لأني مصنف عند طائفته المسيسة -وللحق عند زمر دينية مسيسة أيضاً- في التوجه السياسي والفكري على نحو مشين.

إن الإخوة اليساريين والقوميين في السعودية، وخصوصاً اليساريين الماركسيين واليساريين القوميين، يعلون من شأن (المعرفة) وينادون بشعار (الثقافة للجميع)، ومع ذلك فإن نصيب أكثريتهم من (المعرفة) العامة محدود، وحظهم من (الثقافة) الشاملة ضئيل. وأعجب من هذا، أن معرفتهم وثقافتهم بعقيدتهم، هي محدودة وضئيلة. فهم كمن يأمر الناس بالبر وينسى نفسه!

وهم في العلن وأمام الملأ يدعون الناس إلى الإيمان بحق النقد والاختلاف لكنهم في واقع الأمر يرفضون ممارسة هذا الحق حتى في ما هو ثانوي وهامشي في مسلماتهم السياسية والفكرية.

ألسنا هنا -يا خالد بالعودة إلى موضوع مقالك الذي أشرت إليه في مفتتح مقالي السابق- أمام تناقض صفيق؟!

خالد بعد اللقاء الذي جمعني به صدفة، وكنت ودوداً وبالغ اللطف معه، أكرمني ووضع ألفاً مهموزة قبل اسمي، والتي هي اختصار للقب الأستاذ في إجابته في تغريدة عن سؤال وجه له حول معلومة تتعلق بالمعرض!

رأى الصديق عبدالعزيز القاسم في مناقشتي لقول الصديق الدكتور خالد الدخيل بأن المرور بالمرحلة الإسلامية أمر ضروري تاريخياً، سعة اطلاع، فرد عليه الزميل خالد بتغريده قائلاً: على هذه الغزارة في المعلومات ليته لم يحصر نفسه في د. خالد، لكنا استفدنا أكثر.

قال هذا بعد أن خفف حدة موقفه مما أكتبه بعد ذلك اللقاء. وقاله على سبيل النصرة للدكتور خالد إزاء نقدي لبعض آرائه ونقد مرجعيته السياسية والفكرية فيها التي تتمثل في عبدالله العروي.

وقوله هذا غير ذي موضوع، فأنا لم أضع عنواناً أو أكتب مقدمة تشير إلى أني سأناقش قضية عند أكثر من مثقف من بينهم الدكتور خالد الدخيل، وكل ما فعلته أني حصرت مناقشتي في ما يقوله حول هذه القضية، وأهملت مناقشة الباقين.

ومما يستحق الوقوف عنده هو تعليق الناقد العزيز الدكتور معجب الزهراني على رأي عبدالعزيز القاسم السالف، فلقد رد عليه بتغريدة أراد بها أن يضع الأمور في نصابها الصحيح فقال: «ويظل خالد الدخيل باحثاً أوسع أفقاً وأعمق معرفة وتحليلاً».

قد يكون الأمر كما قال. لكن كان من المنتظر منه -بوصفه ناقداً ومثقفاً- أن يعزز ما قاله ببينات وبراهين، أو يرد على نقدي بنقد مضاد يجلّي فيه ضيق أفقي وتواضع معرفتي وتحليلي مقارنة بالدكتور خالد.

قبلها بثمانية أيام كان قد نشر مقالي (خاشقجي والدخيل ومحاميهما السعدون)، وفي غد اليوم الذي نشر فيه هذا المقال، كان اللواء الطيار عبدالله السعدون صاحب كتاب (عشت سعيداً: من الدراجة إلى الطيارة) أنزل أغنية فيروز (زهرة المدائن) في حسابه على التويتر، وحياها بقوله: فيروز يا زهرة المدائن. بادره الدكتور معجب بتحية حشر اسمي فيها إذ قال: يومك فيروزي... ولو كره علي العميم. نبهه الصديق أحمد الحناكي إلى الغلط الذي وقع فيه وهو أن عبدالله السعدون الذي تحاورت معه في ذلك المقال هو غير عبدالله السعدون الذي تقدم التعريف به. ومع هذا، فإن الدكتور معجب لم يأبه بأن يعتذر عن تلك الهفوة الصغيرة.

يبدو أن الدكتور معجب مازال مغتاظاً من ذلك المقال الذي كتبته عنه يوماً (تنوير معجب) وإلا فمن أين أتي -سامحه الله- بتلك الفرية، فأنا لا أكره للطيار عبدالله السعدون أن يكون يومه -وبالأخص يومه ذاك- يوماً فيروزياً!

حين ناقشت الدكتور محمد حامد الأحمري في مفهومه للحرية وفي مفهوم طاعة ولي الأمر الإسلامي ومفهوم حق الملك الإلهي المقدس المسيحي عنده وناقشت بحثه (خدعة التحليل العقدي) في ثلاث حلقات في جريدة (الشرق الأوسط) هزأ بي الأخ ناصر الناصر، فكتب تغريدة بعد نشر إحداها، تقول: يا حاجب أعطي العميم كيلاً من الفصفص فقد استنفد الفصفص الذي في جعبته وهو يكتب عن المارق الأحمري. ثم ختمها بملحوظة هي: أني تحولت إلى ردّاح سلطة.

في الأولى يقصد أني كاتب مأجور عند الوالي (أو السلطة). وأن أجري عندها ثمن بخس، قدره بعض أكياس من الفصفص! أما ملحوظته فهي غير دقيقة من حيث التزمين، فقد قيل عني ما قاله قبل أن أناقش الأحمري بوقت طويل. وهي –أيضاً– غير صحيحة من حيث تحديد نوع ما كتبته عن الأحمري، إذ ليس فيه أي جملة ردحية، بل ما قاله هو الردح بعينه، وينطبق عليه تعبير (فرش الملاية) عند المصريين، ولم يكن ينقصه سوى أن يبدأه بـ(جرى إيه يالدلعدي)؟!

أظن أن الأخ ناصر –إن لم أكن مخطئاً– من تلك الطائفة المسيسة المختنقة بمعارضتها.

وحينما تناولت في أول مقالاتي في جريدة (عكاظ) بعض ما يكتبه الزميل جمال خاشقجي بالنقد، اندفع فهد المسيفير-وهو على الأغلب اسم مستعار– فأثنى على خاشقجي بما يستحقه. ثم قال: المشكلة في بعض (كتبة التقارير) مثل العميم الذي كتب اليوم مهاجماً جمال، الحسد لا غير.

هذا الأخ لايبدو لي –من خلال قراءتي لبعض تغريداته– أنه من المنشغلين بالمعارضة لكن لعصبية صحوية قال ما قال. فهو يضيق بكتاباتي عن الإسلاميين.

والدليل على هذا قوله في تغريدة مع أول نشر مقال لي في (عكاظ): إنه يخشى عليّ أني مازلت محصوراً في (الصحوة) وهمومها بينما الواقع يتجاوز ذلك.

اتهام ناصر الناصر وصاحب الاسم المستعار الجزافي لي، لا يقتصر عليهما، فهو اتهام يتردد عند الإخوة المعارضين من ذوي الثقافة السياسية النضالية، يساريين وقوميين وطائفة من الإسلاميين من سنين بعيدة. ويقال –أيضاً- عن مثقفين سعوديين آخرين.

وسبب هذا الاتهام المنطقي! وحيثيته الدامغة! عندهم هو عدم اقتناعك بمسوغات أو (حتمية) المعارضة السياسية أو إظهار الولاء السياسي، شفاهة أو كتابة، أو رفضك لأيديولوجيتهم الشمولية الحصرية برمتها، أو نقدك لجوانب فيها.

وغني عن الذكر أن مثل هذا الاتهام شائع في ثقافة التيارات السياسية الفكرية في العالم العربي، فهو من عدة وعتاد الاختلاف وأدوات الصراع فيها. وهناك حكايات في هذا المساق، تبلغ حد الذهان والهذيان، يتندر المثقفون العقلاء بها -أحياناً- في ساعات المسرة وليل المسامرة.

يعتقد بعض الإخوة اليساريين والقوميين السعوديين أن (المعرفة) الحقة والنافعة والمفيدة هي (معرفتهم)، وأن (معارضتهم) تسبغ عليهم فضيلة زائدة؛ ولأنهم يعتقدون بذلك، يتوهمون أنهم صعدوا إلى طبقة (العارفين) وارتقوا إلى منزلة (الأولياء الأبرار). بمعنى أنك أمام (عارف ولي) أو (ولي عارف). الويل ثم الويل لك إن نقدت (عرفانه) و(طريقته) الروحية أو النضالية على مستوى محلي أو عربي إقليمي.

وفي المقابل ينطوون على عقيدة راسخة، بأنك إن كنت مثقفاً وموالياً سياسياً لدولتك ولحكومتك واعتذرت عن دخول (جنة معارضتهم وجنة عقائديتهم الشمولية الحصرية) لابد أن تكون كاذباً في ولائك السياسي ونفعياً ومأجوراً أو أن تكون –وهذا تصنيف أرق وألطف من السابق– عاصياً على بصيرة (وكيف لا تكون كذلك، وأنت قد رأيت الجنة بأم عينيك، ومع هذا اعتذرت عن الدخول إليها)، أو ذا وعي سياسي وأيديولوجي ناقص، تحتاج إلى هداية وتوعية وإرشاد.

حاول الدكتور وليد الماجد –الذي هو طبيب ومثقف والذي لا أعرفه ولا يعرفني شخصياً– في أكثر من مناسبة في موقع التويتر، أن يضع –مشكوراً– محفزات نقدي ودوافعها لبعض المثقفين في سياقها الموضوعي لكن –كما يقول مثل شعبي دارج في أكثر من بلد عربي– «عنز ولو طارت»!

نعود إلى الزميل خالد الوابل ومقاله (التدين المعرفي والتدين السلوكي) وأقول له: في ضوء ما سردت في المقال السابق وفي هذا المقال، اعتقد أنك –بعد أن وقفت بك على نص الفقرة كاملة– قد أسأت إلى أناس من أجيال ومن قطاعات مختلفة، حين وصفتهم بـ(غلمان الليبرالية)، وربما أن عذرك أنك تقرأ قراءة مبتورة، وتعتمد على قراءة هي قراءة رؤوس أقلام.

وأرى أنك لست –بالضرورة– تحترم الشخص مع وجود الاختلاف السياسي والفكري معه.

ولعلك تذكر السؤال الذي طرحته على نفسك في خاتمة مقالك: ما الذي يجعل من الصعب الربط بين المعرفة والسلوك؟ فقلت إجابة عن هذا السؤال: حقيقة لا أملك جواباً.

يا لجرأتك!

أتتنطح - يا خالد - للإجابة عن سؤال أشكل في الإجابة عنه خلاصة عقول البشر على مر التاريخ؟!

إنني أتمنى أن تستصحب هذه الإجابة معك حينما تكون بين يدي قضايا -هي أهون بكثير من ذلك السؤال المعضل - قضايا أنت غير منكب عليها أو لا تعرف عنها سوى عموميات أو نتف أو القليل عنها.

لأوضح الآن ما أدغمته في مفتتح المقال السابق.

قلت: إني قد قرأت لاستشاري في الطب النفسي أورد نماذج من أنماط التدين، ذكر من ضمنها ما أسماه بالتدين المعرفي، وكان يتحدث عن التدين العقلي. وقلت: إنه كان غير دقيق في الأنماط التي وضعها وغير دقيق في حديثه عن كل نمط.

كنت أومئ بهذا من بعيد إلى أن الزميل خالد أخذ تسمية التدين المعرفي عنه. وعيب هذا المصدر فوق ما ذكرت أنه مصدر معطوب.

هذا الاستشاري في الطب النفسي هو الدكتور محمد المهدي. والمصدر مقالة من مقالاته عنوانها (أنماط التدين) منشورة في موقع (واحة النفس المطمئنة) الذي يشرف عليه مستشار الطب النفسي الدكتور محمود أبو العزايم.

الدكتور المهدي عدد تسعة أنماط من التدين التي يراها في حياته اليومية المصرية.

ثمة كتاب اسمه (السالب والموجب: مصر بين قطبين) لهاني لبيب عدد عشرة أنماط من التدين رصدها -هو الآخر- من الحياة المصرية. وهي تحمل التسميات نفسها. النمط العاشر الذي هو (التدين الأصيل) هو موجود عند الدكتور المهدي لكنه لم يضع أمامه رقم عشرة؟

الدكتور محمد المهدي مسلم ذو توجه ديني، والصحافي هاني لبيب قبطي -هو الآخر- ذو توجه ديني. الاختلاف بين الأنماط التي وضعاها هو في شرح كل نمط والأمثلة التي يذكرانها لكل نمط، وفي تفريع الدكتور المهدي للنمط الثامن (التطرف) إلى تطرف فكري وتطرف عاطفي وتطرف سلوكي. خالد لم يكن في هذا الوارد، وإنما أخذ من هذه الأنماط المذكورة عند هذين الاثنين -اللذين لا أدري أيهما استفاد من الآخر- التدين المعرفي والتدين السلوكي وجعل كل واحد منهما قبالة الآخر أو نقيضه!

إن أنماط التدين في المجتمع السعودي بصوره المتعددة –بصرف النظر عن خطل التسمية التي تبناها خالد– لا يمكن أن يقال عنها بالمعنى الذي أراده هو، أي أنه تدين من أجل المعرفة وحسب، إلا إذا كانت الأحاديث الخمسة التي سردها في أول مقاله –للتدليل على أن تديننا معرفي لا مسلكي– يعتبرها معرفة يحتاج الحصول عليها إلى طلب العلم والتوغل في غابة القراءة وكد الذهن وإرهاق التفكير.

* نقلا عن "عكاظ"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة