مظلوم يا غراب البين

صلاح الساير

نشر في: آخر تحديث:

في الصباح الباكر أمشي بين الأشجار (في دولة الإمارات العربية المتحدة) وأرقب الطيور المتنوعة ومنها الغربان بلونها الأسود الفاحم المهيب. والغراب طائر يعيش في الاراضي الزراعية والجبلية مثلما يعيش في الضواحي السكنية. وقد لفتني إصرار غراب على حمل صفحة من مجلة ومحاولته ابعادها عن طريق المشاة. فبدا لي أنه غراب «مثقف» حريص على المعرفة، وهي صورة ليست بعيدة عن علاقة الغربان بالعرفان. وأشير إلى أن صوت الغراب (النعيب) يشبه حديث البشر وينقسم إلى صرخات مختلفة وكل صرخة لها معنى تعرفه بقية الغربان. ويعتبر الغراب من أذكى الحيوانات لقدرته على التذكر والتمييز والتواصل والتفكير المركب وإيجاد الحلول.

***

يحدث ان تعشش الغربان قرب الأنهار لخدمة الدببة وفي الوقت ذاته تسخرها لمصلحتها، عندما تحلق الغربان فوق النهر وتقوم باستطلاع جوي لتجمعات الاسماك، وحالما تجدها تصدر أصواتا تجلب الدب إلى الموقع ليصطاد السمك وبعد ان يفرغ من أكله تقوم الغربان بالتقاط ما تبقى من الطعام. والعديد منا شاهد على «اليوتيوب» الفيديو المدهش للغراب الذي يطير فوق الشارع ويلقي بثمرة الجوز أو البندق لتقوم عجلات السيارات بتكسيرها فيحط بعدها ليلتقط طعامه جاهزا. وقد دفع ذكاء الغراب الإنسان إلى نسج الأساطير حول هذا الطائر العجيب.

***

قتل قابيل أخاه هابيل ولم يعرف كيف يتصرف بالجثة حتى شاهد الغراب يقوم بدفن غراب اخر. ومذاك تعلمت البشرية دفن الموتى من الغربان التي تقيم جنازة للغراب النافق وتصمت حدادا عليه. وقيل ان بعض انواع الغربان إذا نفق غراب في حقل ما تمتنع عن التحليق فوق ذلك الحقل، ويذكر كتاب «الغراب.. التاريخ الطبيعي والثقافي» ان الغربان كانت دائما مخلوقات متطرفة في الخيال البشري فهي (لعوب ووقور، مقدسة ومدنسة) ويحتفي سكان أميركا الاصليون بالغراب على انه (إله الخلق ومخادع، وبذلك يمثل القداسة والفجور في آن معا).

****

يضيف الباحث الأميركي «بوريا ساكس» مؤلف الكتاب (ان ذكاء الغربان بالإضافة إلى الشارب فوق مناقيرها والابتسامة الظاهرية هو ما يجعلها بطريقة ما قريبة من البشر) كما ان الغراب لا يعاشر سوى زوجة واحدة، فإذا شوهد منفردا كان ذلك دليل على موت انثاه، ولهذا اصبح الغراب رمزا للشؤم. ويقول احد المختصين (ان الذكاء الطبيعي للغربان هو اكثر بكثير مما هو مطلوب لاستمرار حياتها، والنتيجة ان الغربان تشعر بالضجر فتقوم باختراع ألعاب لتسري عن نفسها. فالغربان تشبه الاطفال الأذكياء في بيئة لا تشجع الانجازات الذكية ولا تقدرها)!

*نقلا عن "الأنباء"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.