عاجل

البث المباشر

السكن أم الترفيه.. أيهما أهم؟

اختلطت الأمور والأولويات لدى كثير من الناس عند سماعها إعلان المشروع الترفيهي الكبير الذي سيتم تشييده في منطقة القدية غرب الرياض، عدد لا بأس به غرد في موقع «تويتر» يطالب الدولة بالسكن قبل الترفيه وسار على نهجه وغيره عدد كبير من المتابعين، نعم السكن قبل الترفيه وقبل الزواج وقبل السفر، ولن تجد من يختلف على هذا الترتيب، لكن هل يأتي السكن قبل الوظيفة؟ هل السكن منحة مجانية تقدم للمواطنين من دون الالتزام بسداد القيمة؟
المشروع الضخم الذي تم إعلانه لم يحظ بهذا الاهتمام والدعم الرسمي لولا أنه حمل وعوداً واضحة بخلق آلاف الوظائف الجديدة لطلاب العمل، وفي المملكة تحديداً نحن بأمس الحاجة إلى مثل هذه المشاريع في هذا الوقت الذي سترتفع معه أعداد طالبي العمل إلى الملايين، وكونه مشروعاً للترفيه ويحمل فرحاً وبهجة بعد سنوات الصحوة المشؤومة التي قتلت مقومات التنمية، إضافة إلى خلق فرص العمل، فهذا يعني اصطياد عصفورين بحجر.
لماذا التركيز على فرص العمل؟ السبب أن الوعاء الوظيفي في المملكة صغير جداً ومحدود ولا يحمل التنوع المطلوب الذي يفرضه عدد السكان، الجهات المناسبة لتوظيف الخريجين والخريجات من الجامعات معروفة، وهي بالتحديد أرامكو وسابك وجميع البنوك وكل شركات الاتصالات العاملة، إضافة إلى التخصصات الطبية والعلمية المتقدمة، والأخيرة عددها قليل جداً. هذه الجهات لم تعد قادرة على التوظيف لأنها مشبعة بما تحتاجه. حتى الدولة وأقصد الجهاز الحكومي هي الأخرى مشبعة بالموظفين. القطاعات الأخرى في الخدمات لا تحمل مع الأسف أي وعود بفتح فرص عمل لأبناء وبنات الوطن، وذلك لكونها تتربع على أدنى مستويات الجودة، وبالتالي فهي غير قادرة على توظيف وتحمل أتعاب شاب أو شابة للتو تخرجا من الجامعة. قطاع التجزئة ربما هو الأكثر وعداً بارتقاء مستوياته بسبب التنافس الشديد بين مطوري المراكز وأصحاب الماركات العالمية. البقالات وأسواق الجملة لا تحمل أي أمل هي الأخرى على رغم ضخامة هذا القطاع كونها لا تخضع لأي لوائح تحافظ على مستويات دنيا من النظافة والتعقيم والمواصفات الصحية والمراقبة الداخلية، ومن هنا فلا حاجة لها بتوظيف أفراد برواتب مرتفعة طالما يستطيع «إدارتها» عامل لا يملك أية مهارات.
وهذا الوصف نفسه ينطبق على قطاع الضيافة المتمثل جزء كبير منه في الشقق المفروشة المنتشرة في كل بقعة، التي أعتبر ضمها لعدد الغرف الفندقية في المملكة في الإحصاءات العامة خطأ فادح ومضلل، أما أعمال الصيانة وما أدراك ما الصيانة فهي فوضى بلا رقيب، لا يمكن لأي رب بيت أن يثق بمن سيدخل منزله لأعمال الصيانة، كونها هي الأخرى غير خاضعة لشروط الجودة والمحافظة على حقوق المستخدم. الحقيقة أننا في المملكة وعلى رغم وجود بعض الخدمات الراقية نعاني من فوضى وانفلات مدمر في تقديم خدمات أخرى، وهذا من أهم أسباب شح الوظائف مقارنة بالدول المتقدمة، لكن هذه القصة خارج سياق هذا الموضوع.
الدولة تعي أهمية ذلك وخطورته، ولهذا فمشروع القدية لن ينتظر موافقة المستثمرين، وسيبدأ بتشييده صندوق الاستثمارات السعودي ببلايين الريالات، مع فتح الفرص لدخول المساهمين سواء من الداخل أم من الخارج. وللعلم فمثل هذا الاستثمار الضخم لو تم توجيهه إلى قطاع صناعي مثلاً فلن يتمكن من توظيف ربع العدد المتوقع من هذا المشروع، لست هنا في موقف ضد التوجه للتصنيع، بالطبع لكن الذي أتحدث عنه هو خلق فرص العمل وبأسرع وأكبر عدد ممكن.
سيتمكن من يلتحق بمثل هذا المشروع من بدء حياته المهنية، كما بدأها قبله موظفون في شركات كبيرة. سيخطط لشراء المنزل بعد الحصول على التمويل اللازم، سيتزوج ربما ويخلف أبناء وبنات ويبني أسره، لو لم يحصل على الوظيفة ولم يحافظ على الأداء والحصول على الترقيات لما تمكن من ذلك، الحديث في هذا الشأن لا يقتصر على منطقتنا، إذ يكفي مراقبة ردود الأفعال التي تصيب البورصات العالمية مع كل إعلان عن مؤشرات سوق العمل في تلك الدول، كلما قلت البطالة كلما زاد الشعور بالأمان في قوة الاقتصاد وتداول الأسهم وانعكس ذلك على القطاعات الأخرى، إذ نلاحظ ارتفاع مبيعات المساكن والبضائع الاستهلاكية والمفروشات. السبب أن هذا الموظف حتماً سيشتري تلفزيون وثلاجة وسيارة، وجميع هذه الأنشطة سترفع من قيمة تلك المصانع ومنتجاتها. إن المشهد أشبه ما يكون بأحجار الدومينو، حيث الوظيفة هي الحجر الأول وبمجرد الحصول عليها تسقط وتتساقط معها بقية الأحجار نحو الأفضل بالطبع. وما يقال عن التوظيف وفوائده يقال عن عدم وجود الوظائف. فإضافة إلى الكساد الاقتصادي الذي سيصاحب ذلك بسبب انحسار الإنفاق، البطالة تشكل هاجساً أمنياً خطيراً في كل المجتمعات، خصوصاً عندما يصل العاطل إلى مرحلة اليأس، ويشعر قلة منهم بأنه لن يفقد شيئاً في ما لو لجأ إلى الممنوع كالسرقات والسطو.
قد يتفهم الشخص ميول البعض لمثل هذه المقارنات التي افتتحت بها هذه المقالة في وسائل التواصل الاجتماعي كونها عناوين ثورية نضالية ومثيرة، وقد تجلب لكاتبها نوعاً من الشعبوية وارتفاع عدد المتابعين، الذي أعتب عليه هو غياب الطرح العلمي الدقيق والمفصل الذي يفترض أن يرافق إعلان هذه المشاريع، الذي يوضح أهمية تنوع الاستثمارات في سبيل خلق فرص عمل جديدة، بصرف النظر عن نوع النشاط سواء كان ترفيهياً أم خلافه، علينا التركيز على هذه النقطة كثيراً حتى يزول اللبس ويتفهم الناس أسباب دخول الدولة ودعمها لمثل هذه الاستثمارات، حتى نستبدل شعور الازدراء الذي لا نعلم من يحرض عليه، بالتفاؤل والتشجيع والدعم والشعور العام بالتفكير الإيجابي والثقة.

*نقلا عن صحيفة "الحياة".

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات