عن فشل النظام الجمهوري العربي

عبد الباسط سيدا

نشر في: آخر تحديث:

تؤكد حصيلة نصف قرن من الحكم الوطني في المنطقة العربية أن الأنظمة الوراثية كانت أكثر استقراراً مقارنة بتلك الجمهورية التي رفعت في معظمها شعارات انقلابية ثوروية، تمحورت حول الاشتراكية والديموقراطية الشعبية.

وعلى رغم كل الاتهامات التي وجهت إلى الأنظمة الملكية والأميرية، فقد تمكنت من تحقيق الكثير من الإنجازات في الميادين المعيشية والتربوية والمعرفية والصحية والعمرانية والتنموية العامة، فيما الأنظمة الجمهورية أخفقت في كل الميادين، بل عانت هي نفسها من نزعة تسلطية لدى حكامها، تمثلت في رغبتهم بالاستمرار الأبدي، سواء عبر أشخاصهم، أو من خلال أبنائهم.

وحدها الحالة اللبنانية ربما كانت استثناء، لكن النظام السياسي اللبناني نفسه بُني على آليات ومعادلات محلية وإقليمية ودولية، تسببت بتفاعلها في تعطيله، وجعله مرهوناً بتقلبات الأوضاع الإقليمية والدولية، وانعكاساتها عليه.

ومن الحجج التي تقدم عادة من جانب أنصار النظام الجمهوري العربي، أن وضعية الاستقرار التي تبدو عليها الدول ذات الأنظمة الوراثية سببها إمكانات تلك الدول التي أسهمت في تجاوز الكثير من المشكلات، والتغطية على الكثير من المثالب. وهي حجج واهية، لا تصمد أمام لغة الأرقام، ولا تستقيم مع الإمكانات الهائلة التي وفرتها الثورة التقنية المعلوماتية المعاصرة، واستطاعت بفضلها دول كثيرة، على رغم شحة قدراتها المادية، من تحقيق قفزات هائلة على مختلف المستويات، بينما تراكمت مشكلات الأنظمة الجمهورية العربية، على رغم كل الإمكانات، وأسفرت في النهاية عن صدامات عنيفة، اعتقدنا نتيجة قراءاتنا الخاطئة في بداية موجة الربيع العربي، أنها لن تكون كذلك، لكن تبين في ما بعد أن الأزمة أعمق وأعقد مما كنا نتصور. وهذا في حين أن النظامين الملكيين في المغرب والأردن تمكنا من الاستمرار على رغم ضعف الموارد.

حجة أخرى ربما تساق هنا، وهي تقوم على فكرة قوة الأجهزة الأمنية في الأنظمة الوراثية. وهي الأخرى حجة ضعيفة، لا سيما بعدما تبين للجميع حجم الجرائم التي أقدمت عليها الأنظمة الجمهورية عبر أجهزتها الأمنية الأخطبوطية، لتعزيز سطوتها، واستمرارية حكمها. والأمر ذاته بالنسبة لحجة الدعم الخارجي والإرادات الدولية.

وكل ذلك يدفع بنا إلى طرح تساؤلات مفصلية، تستلزم الإجابة عنها، إذا كانت هناك رغبة جادة في الخروج من دائرة الشر التي أنهكت مجتمعاتنا.

هل العلة تكمن في وضعية التنافر بين قواعد النظام الجمهوري المغلّف بشعارات ديموقراطية والبنية المجتمعية العربية؟

هل الأزمة التي نعيشها تخص مجتمعاتنا وحدها، أم أنها نتيجة التفاعل بين وضعيتنا الداخلية والعوامل الإقليمية والدولية؟ أو بتعبير آخر، هل تسمح تركيبة مجتمعاتنا بعملية انتقال سلمية للسلطة من المفروض أن تكون حصيلة انتخابات نزيهة ديموقراطية؟ أم أن ما حصل كان من نتائج هيمنة الأيديولوجية القومية التي أغرقت دول الأنظمة الجمهورية بالمزاعم والشعارات المتناقضة مع الطبيعة المجتمعية، على رغم أنها غطت لفترة محدودة على حالات التنافر بين الأجنحة الداخلية للأنظمة المعنية، وباتت في المراحل الأخيرة يافطة للتستر على قباحات الفساد والإفساد التي تجسدت نهباً وبذخاً خرافياً، مقابل فقر وبؤس غير مسبوقين.

أسئلة تستوقف وتستحق التمعّن بعد كل هذه التجارب العربية الفاشلة.

وإذا اعتمدنا الحالة السورية مثالاً، فسنجد أن النظام الجمهوري كان واعداً لسنوات يتيمة بعد استقلال 1946، ولكن سرعان ما شهدت البلاد سلسلة انقلابات عسكرية، كان آخرها انقلاب حزب البعث في 8 آذار (مارس) 1963 الذي أسفر بدوره عن جملة انقلابات ضمن الحزب نفسه، حتى تمكّن حافظ الأسد من السيطرة الكاملة على مقاليد الأمور عام 1970.

ومنذ ذلك الحين اعتمد حافظ الأسد نهج التأبيد عبر إزاحة الخصوم سجناً وتشريداً واغتيالاً، وعمل على التحكّم بمفاصل الدولة والمجتمع، وذلك من خلال الأجهزة الأمنية المتداخلة التي كانت خيوطها الموجهة تلتقي جميعها عنده، ليكون هو الآمر للكل، والمسيطر على الجميع.

ولم يكتف بذلك، بل زرع تماثيله في شتى أنحاء الجمهورية، لتكون أصناماً يُلزمُ الناس بتقديم فروض الطاعة لها، بموجب سابقة غير معهودة، في تاريخنا الحديث، قوامها إسباغ سمة التأليه على حاكم تجبّر على الناس بفعل استغلاله لواقع المعادلات الإقليمية والدولية.

وأدرك الحاكم المتأله أن الموت الحق قادم، ففكّر في التأبيد عبر التوريث، وكان باسل هو الخليفة المنتظر، لكن موته جعل بشّار من تتوافق عليه إرادات أركان حافظ الأسد، بناء على تعليمات وأوامر الأخير. وتم تسويقه إقليمياً ودولياً، حتى بات أمر تنصيبه حاكماً جمهورياً بالوراثة مسألة تحصيل حاصل. وهذا ما تجسّد في الهرطقة «القدورية» التي بموجبها عُدل الدستور بسرعة الضوء، ليصبح عمر الرئيس المطلوب «دستورياً» مطابقاً بقدرة قادر لعمر بشار.

واستلم الأسد الابن مملكة الأسد الأب الجمهورية. وبدأ يوجه الانتقادات إلى الملوك والرؤساء العرب في مختلف المناسبات بأسلوب إنشائي مفعم بالحشو والتكرار المملين، ولم يقطع مع أسلوبه هذا اعتقاداً منه بأن السماء اختارته ليكون الهادي لشعب أعياه الضياع.

ومع انطلاقة الثورة السورية، صدم وريث الجمهورية بما جرى، فشبه الناس بالجراثيم، وأصرّ على أن ما يواجهه إنما هو بتدبير قوى الشر. وهو لا يزال يحلم باستعادة حكمه التليد بمساعدة الروس والإيرانيين وسائر الميليشيات المذهبية، والفصائل القوموية الثوروية التي وجدت في قتل السوريين وتشريدهم مدخلاً للنهوض بالأمة التي طالما تآمروا للقضاء عليها.

المثال السوري يعيدنا ثانية إلى التساؤل الذي انطلقنا منه، وهو لماذا أخفقت الأنظمة الجمهورية عربياً؟

هل تكمن العلة في النظام السياسي نفسه؟ أم في البنية المجتمعية؟ أم في الاثنين معاً؟

أليس النظام الملكي الدستوري البرلماني أكثر انسجاماً مع واقعنا ما قبل القبلي؟

أسئلة نطرحها ببراءة، ومن دون أية نوايا مضمرة، ونحن نفكر بصوت مرتفع في مواجهة واقع يبدو مسدود الآفاق من مختلف الجهات.

النظام الديموقراطي الذي يحترم سائر الحقوق والخصوصيات يظل هو النظام الذي نحلم به. ولكن الوقائع شيء، والأحلام شيء آخر.

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.