عاجل

البث المباشر

د.عبدالرحمن الجديع

<p>كاتب ودبلوماسي سعودي سابق</p>

كاتب ودبلوماسي سعودي سابق

ثلاث قمم تشعّ من الرياض

مما لاشك فيه ان قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن تكون السعودية المحطة الأولى في زيارته الخارجية بعد تولّيه الرئاسة يعطي بُعدا اضافيا لمسار العلاقات الثنائية بين المملكة والولايات المتحدة الأمريكية، ويؤكّد على العلاقة التاريخية المميّزة التي تربط بين البلدين والشعبين الصديقين، وتبرهن اليوم، كما برهنتْ بالأمس، على متانة الروابط وعمق ونوعية العلاقات بين البلدين في مختلف الميادين وعلى كافة الاصعدة السياسية والعسكرية والاقتصادية والأمنية، وتؤشر على نقلة نوعية واضحة .

وما من ريب في ان انعقاد القمم الثلاث التي أشعّت في الرياض، وهي القمة السعودية الامريكية والخليجية الامريكية والإسلامية الامريكية، لمناقشة القضايا وأوضاع المنطقة وما تعانيه من تفتّت وتدمير من جراء التدخلات السافرة من قبل بعض الدول الإقليمية التي اصبحت تهدد سلامة هذه الدول واستقرارها – ويمكن القول إنانعقاد القمم الثلاث يؤشر على واقع جديد في العلاقات الدولية يسهم في أخذ العلاقات بين هذه الدول الى مستويات افضل من التفاهم والتفهم لكافة القضايا المطروحة للنقاش، فضلاً عن أنه يجسد، في الوقت ذاته، احترام العالم للمملكة وقيادتها وتجربتها في العهد الجديد الذي يتّسم بدينامية مبنية على اتخاذ مبادرات تحافظ على المصالح العربية والإسلامية. وان هذه الدينامية، التي تمثل إيذانا بمرحلة جديدة،ترفض سياسة المهادنة او الاسترضاء، وتتصدى بحزم وإرادة حاسمة يتمتع بهما خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، حفظه الله، لحماية امن واستقرار البلاد العربية من كل خطر، وتعزيز التضامن العربي والدولي ضد كل الدول والجماعات المارقة على القانون الدولي. وهي تعكس نقلةً نوعية على كافة الأَصعدة، وتجسد سلامة النهج واستقامة الهدف ووضوح الرؤية والتطلع الى مستقبلٍ واعد ضمن التحول الوطني و "رؤية 2030" التي وضعَت المملكةَ على اعتاب مرحلة جديدة لمواجهة التحديات الاقتصادية المتعددة.
ولعل من اهم الموضوعات التي سيركّز على مناقشتها الزعماء في الرياض ما يشهده العالم من ظواهر سلبية ومفارق مصيرية أثرت وتؤثر على السلم والأمن والاستقرار في البيئة الدولية. وفي مقدمة هذه الظواهر السلبية، التي استحوذت على اهتمامات المجتمع الدولي، ظاهرةُ الإرهاب؛ إذ إنها تحتلّ الصدارة في مختلف اللقاءات الإقليمية والدولية والثنائية الأطراف، وأصبحت بندا ثابتا على جدول اعمال المنظمات الدولية بحثا عن صيغ وإجراءات اكثر فعالية للتعاون الدولي من اجل التصدي لهاوسحقها او، على الأقل، تحجيم إفرازاتها بالوسائل المتاحة محليا واقليميا ودوليا.

إن الإرهاب هو اليوم ظاهرةٌ عالمية. وعليه، فإن مسؤولية مكافحته لا بد من ان يضطلع بها المجتمع الدولي كله. ذلك بان الإرهاب يمثل ظاهرة من ظواهر العنف لازمت المجتمعات البشرية منذ القدم. وهو لا ينحصر بدين او قومية او عرق او لون معين. وسيبقى احد تلك المؤثرات التي تزداد تعقيدا بتطور المجتمعات الدولية أينما كانت، خاصة بعد انتشار الثورة التقنية والرقمية والمعلوماتية ووسائط التواصل الجماعي Social Media التي عمت الساحة العالمية.

لقد اصبحت المملكة رائدة في ترسيخ ثقافة الحوار واشاعة التسامح والانفتاح بين الشعوب المحبة للسلام ورفض التطرّف والارهاب وكل أشكال العنصرية البغيضة. وانطلاقا من ايمان المملكة بالتصدي لمثل هذه الظواهر المقيتة، كالإرهاب مثلاً، ومدى خطورتها على الامن والسلم الدوليين، فقد اتخذت الكثير من الخطوات لمواجهة الفكر والخطاب المتشدد والأيديولوجيا التي تبرّر مثل تلك الظاهرات الخطِرة. وبناء على ذلك،بادرت المملكة إلى عقد مؤتمر دولي في الرياض عام ٢٠٠٥ للتصدي لظاهرة الإرهاب. ثم توالت جهودها في الأُطر المحلية والإقليمية والدولية للاستمرار في مكافحة الإرهاب والتصدي له، إذ اعتمدت محليا على استراتيجية الامن الفكري التي تبلورت على ثلاثة محاور: الوقاية والتأهيل والرعاية؛ وفي سبيل ذلك، أُسِّس مركزٌ للتأهيل والإصلاح هو مركز محمد بن نايف للمناصحة والرعاية. دوليا، جاءت فكرة تأسيس "مركز الامم المتحدة لمكافحة الإرهاب" في عام ٢٠١١ في سياق جهود المملكة ومشاركتها في الجهود الدولية من أجل محاربة ومكافحة الجمعيات الإرهابية؛ وقد أسهمت المملكة في تقديم دعم لهذا المركز بمبلغ مائة وعشرة آلاف دولار.

ان تجربة المملكة الناجحة والفريدة في اجتثاث الفكر الضال والإسلامي المتطرف والوقوف بصلابة امام التدخلات التي لا تريد الخير للدول العربية أكسبَت المملكة المكانة المرموقة التي تتبوَّأُها في الساحة الدولية. كما ان جهودها، من خلال الأُطر الدبلوماسية على وجه الخصوص، في حشد وتكثيف التعاون الدولي والجهود الجماعية وتعزيز الانفتاح الثقافي وتجسيد القواسم المشتركة بين الحضارات والشعوب،ابرزت الدور القيادي والفاعل للمملكة في ضوء المنطلقات الجديدة في السياسة الخارجية السعودية للتعامل مع المتغيرات المتعددة في ترسيخ السلم والأمن الدوليين.

د. عبد الرحمن الجديع
السفير السابق في السويد

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات