عاجل

البث المباشر

المفوضيّة خارج نطاق الثقة .. وإنْ بقِيت

لا أظنّ أنّ ثمة عراقية أو عراقياً كان ينتظر أو يتوقّع موقفاً من الكتل الكبيرة في مجلس النواب غير الذي تحدّث عنه رئيس كتلة الوركاء الديمقراطية البرلمانية الصغيرة منذ بضعة أيام.
النائب جوزيف صليوة قال في تصريح صحافي الاسبوع الماضي إن الكتل البرلمانية الكبيرة، السنية والشيعية والكردية، ترفض تغيير مجلس المفوضية العليا (غير المستقلة) للانتخابات، مشيراً إلى جمع 70 توقيعاً من أعضاء مجلس النواب لرفض وجود أعضاء سابقين في المفوضية الجديدة اللازم تشكيلها خلفاً للمفوضية الحالية التي تنتهي ولايتها، غير مأسوف عليها، في أيلول المقبل. وأول من أمس كشف النائب عن إحدى هذه الكتل الكبيرة، ائتلاف دولة القانون، هشام السهيل عن أنّ حصول "اتفاق سياسي" في الأيام الأخيرة على عدم إقالة مجلس المفوضية الحالي.
معلوم أنّ مجلس النواب كان قد استجوب مجلس المفوضية الشهر الماضي عن اتهامات بمخالفات إدارية وفساد إداري ومالي، وانتهت عملية الاستجواب التي لم يطعن أحد في مهنيتها إلى تصويت النواب بالأغلبية على عدم القناعة بأجوبة مجلس المفوضية. وكان من المفترض أن يلي ذلك النظر في الطلب المقدّم الى رئاسة مجلس النواب بالتصويت على سحب الثقة من المجلس، وهو طلب سبقته مطالبات شعبية ونخبوية بالمضمون ذاته تتردد تكراراً في التظاهرات الأسبوعية وعبر وسائل الإعلام الوطنية ومواقع التواصل الاجتماعي، بيد أنّ الإجراء المنطقي المطلوب اصطدم بموقف الكتل الكبرى التي أشار اليها النائب صليوة.
موقف هذه الكتل هو الآخر منطقي من زاوية نظرها، فهي التي شكّلت مجلس المفوضية بمعرفتها واستناداً إلى نظام المحاصصة الفاسد الذي توافقت عليه هذه الكتل ووضعته موضع التنفيذ في مختلف الميادين، بديلاً عن الدستور الذي وضع أساساً مختلفاً للعملية السياسية ولمسارها.
الكتل الكبيرة، الشيعية والسنية والكردية، كانت المستفيد الأكبر، بل الأوحد، من المخالفات وعمليات الفساد في عمل المفوضية التي أوضحتها عملية الاستجواب. هذا هو ممّا مكّن هذه الكتل من أن تكون كبيرة وتبقى كذلك دورة بعد دورة برغم فشلها جميعاً في إدارة الدولة والمجتمع، وأن تتحكم بالعملية السياسية وتتلاعب بالمال العام الذي نهبت عشرات مليارات الدولارات منه عبر لجانها الاقتصادية.
الكتل الكبيرة هذه جاهدت لإنقاذ رأس مفوضيتها من استحقاق سحب الثقة بدعوى تجنّب حصول "فراغ دستوري"، لكن الدافع الحقيقي لهذا الموقف هو تفادي مواجهة المأزق العملي والأخلاقي الذي سيترتب على سحب الثقة... سحب الثقة سيعني الاعتراف بأنّ المفوضية قد خانت الأمانة، وأنّ العمليات الانتخابية التي أدارتها كانت باطلة في الواقع، وبالتبعية فإن وجود البرلمان الحالي والحكومة المنبثقة عنه باطل أيضاً ... الطبقة السياسية المتنفذة لا تريد أن تصل إلى هذه النتيجة .. إنها تفضّل التجاوز على المنطق والأخلاق وعلى أحكام الدستور للاحتفاظ بنفوذها القائم على الفساد وانتهاك القانون.
حتى لو أُبقي على مجلس المفوضية الحالي إلى أيلول المقبل أو أي تاريخ آخر يجري التوافق عليه بموجب صفقة فساد جديدة، فإنّ المفوضية بكاملها غدت الآن خارج نطاق ثقة الشعب، مثلما هي عليه راعيتها، الطبقة السياسية المتنفّذة.

*نقلا عن "المدى"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات