رمضان شهر التسامح والارتقاء

عبد الحميد الأنصاري

نشر في: آخر تحديث:

شهر رمضان، شهر يجمع الفضائل كلها، فيه يراجع الصائم نفسه لتجديد وتقوية علاقة بربه سبحانه وتعالى، وذلك بالإكثار من الطاعات والتقرب بالخيرات ومحاسبة النفس على قصورها في أداء الالتزامات والواجبات الدينية، ومن ثم ينبغي على المسلم تجديد العزم على التوبة، والشكر لله تعالى على نعمه، وأفضل ما يمكن للمسلم الصائم في هذا الشهر الكريم أن يقوم به ويداوم عليه هو تلاوة كتاب الله تعالى وتدبر آياته وترجمة مضامينه في سلوكياته وعلاقاته بمحيطه وبالآخرين، كما أن عليه اغتنام أجواء الصفاء والنور والإشراق في هذا الشهر الفضيل لمراجعة علاقاته بالآخرين، بالتسامح معهم وزيادة الترابط والتواصل بهم والتجاوز عن أخطاء قد تكون حصلت منه أو منهم، فشهر الصيام فرصة رائعة للصائم لترويض نفسه أخلاقياً والارتقاء بها، فهذا الشهر الفضيل فرصة عظيمة لمحاولة التخلق بأخلاق رسولنا، صلى الله عليه وسلم، الذي جمع المكارم كلها فاستحق ثناء المولى تعالى «وإنك لعلى خلق عظيم». على المسلم أن يتأسى بأخلاق الرسول وسلوكياته الإنسانية الرائعة، وبخاصة في تسامحه الإنساني حتى مع أشد أعدائه، ومن هنا فإن دراسة السيرة النبوية وما تضمنته من مشاهد إنسانية لتعامل الرسول، عليه الصلاة والسلام، تقدم دروساً أخلاقية وإنسانية نحن اليوم في حاجة ماسة إليها، وبخاصة أننا في عصر طغت فيه طروحات الكراهية والتطرف والتعصب والعنف.

ما أحوجنا في هذه الأيام المريرة إلى تعزيز ثقافة التسامح في نفوس وعقول ناشئتنا وفِي مجتمعاتنا التي تواجه ظواهر التعصب والكراهية والتطرف، هذه المجازر الدامية والفظائع المروعة، من نحر للبشر وحرقهم وقطع الرؤوس وتشريد الملايين من ديارهم وتهجيرهم وتفجير الأبرياء في الأسواق والمساجد والكنائس وتدمير الآثار التاريخية.. هي بعض مظاهر وتجليات ثقافة الكراهية وغياب ثقافة التسامح، فهذا الشاب المنحدر من أصل ليبي الذي أرهب الآمنين في مانشستر فقتل وجرح العشرات من غير أي ذنب.. وأولئك الذين فجروا المصلين في كنائس مصر ثم عمدوا إلى قطع الطريق على ركاب مسالمين، كانوا في طريقهم لأداء عبادتهم في المنيا، وقتلوهم بدم بارد.. كلهم أبناء ثقافة الكراهية.

لطالما تفاخرنا بأن حضارة الإسلام، كانت «حصناً آمناً» لأصحاب الديانات والمذاهب والأقليات، عاشوا آمنين على أنفسهم وذرياتهم وعقائدهم ومعابدهم وثقافاتهم في ظل «ثقافة التسامح» التي كانت سائدة في ديار المسلمين على امتداد القرون الماضية، كما يحفظ تاريخنا مواقف مجيدة لتسامح قادة المسلمين مع أهالي البلاد المفتوحة، ومع أصحاب الديانات المختلفة والأقليات الدينية في بلاد الشام والعراق وغيرها، والتي تتعرض هذه الأيام لحملات من الترويع والتشريد، بل ولحرب إبادة على أيدي تنظيمات وجماعات العنف والكراهية التي آلت على نفسها أن تسعى لتفريغ المنطقة من كل الديانات والأقليات العريقة، حتى «آخر مسيحي» في الشرق الأوسط..! ترى ما الذي جعل أمة الإسلام التي وصفها المولى تعالى بقوله: «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ»، أمة يتوجس منها العالم؟! وما العوامل المغذية لطروحات الكراهية والتطرف والعنف في منطقتنا؟ وما الذي مكّن لطروحات البغي والطغيان والتعصب أن تنتشر وتخطف عقول ونفوس بعض شبابنا وتجندهم لمشروعات قوى الشر والعدوان؟! كل هذه التساؤلات تستدعي وقفة جادة مع أنفسنا، للقيام بمسؤولياتنا تجاه حماية شبابنا وحماية مستقبلهم من أمراض الغلو والتطرف. علينا أن نسأل أنفسنا: أين الخلل في منظومتنا التربوية والتعليمية والدعوية؟ لماذا أخفقنا في تحصين عقول الناشئة في حين تمكن الطرح المعادي للحياة من الوصول إلى عقولهم ونفوسهم؟! لماذا نجحت داعية الموت وفشلت داعية الحياة؟! علينا إعادة شحن طاقات شبابنا بقيم التسامح وقبول الآخر وحب الحياة والعمل والإنتاج والابتكار كبقية شباب العالم الذين يتنافسون في ميادين البناء.. هذا واجبنا جميعاً، واجب المثقفين وعلماء الدين وواجب الدول والمجتمعات.

* نقلاً عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.