سر «الحياة الدائمة»

خالص الجلبي

نشر في: آخر تحديث:

في عام 1492، وهو عام سقوط غرناطة، ورحلة كولومبوس إلى المجهول، كان البابا إينوسنس الثامن على فراش الموت، وينقل لنا طبيبه الخاص المشفق عليه، أنه اقترح عليه طريقة مخيفة لإنقاذ حياته؛ وهي نقل الدم من شباب فتيان في صحة وعافية إلى عروق الرجل العجوز. وفعلاً قام بالتجربة ونقل الدم من عروق ثلاثة فتيان إلى دورة دم البابا. لكن لا التجربة نجحت ولا الفتيان بقوا على قيد الحياة. لم تكن هناك معلومات معروفة بعد عن أربع زمر دموية يحملها البشر، كما حددها «لاندشتاينر».

والآن، وبعد مرور أكثر من 500 عام على التجربة، يفكر العلماء بولوج نفس الطريق للوصول إلى نبع الشباب القاهر للموت والوهن. التجربة الجديدة يسمونها «بارابيوس»، وتقوم على دمج جسد شاب بآخر عجوز.

قام العلماء بتجربة مثيرة على الفئران، بأن خيطوا جسد فأر فتى بجسد فأر عجوز، وبذلك أصبحا فأراً واحداً بستة أطراف وجلد واحد، وتركوا التجربة تمضي ليروا النتائج. وبعد أن التحم الجلد باللحم، وتثبتت العظام بقالب واحد، بدأ الفأران بالعيش المشترك؛ يأكلان سوية، ويقفزان معاً، وينامان بهدوء في قفص مشترك؛ فلاحظ العلماء أن الجلد تغير عند الفأر العجوز فلم يعد جافاً باهتاً، بل اكتسب طراوة، كما اشتدت عضلاته، وقويت أوتار مفاصله، وضخ قلبه بقوة، وتحسنت لديه قدرة التعلم.. وكأن الشباب رجع له. كانا مثل التوائم السيامية رغم فارق العمر. وهكذا كان الدم الجديد بمثابة ساعة الحياة وهي ترجع القهقرى، ومعها يقهر الزمن والشيخوخة والموت.

لقد تمنى العلماء أثناء عملية استنساخ النعجة «دولي» وضع اليد على سر الشباب هذا، لكن دولي شاخت بسرعة، مما دفع العلماء لاعتبارها تجربة فاشلة، بل خطرة.

وفي التجربة التي بين يدينا حاول العلماء وضع اليد على سر الحياة الدائمة ومواجهة الشيخوخة وقهر الموت.. فوصلوا إلى القناعة القائلة بأنه علينا البحث عن سر الحياة ولغزها المخبأ في تضاعيف الدم.

جاء الجواب من جامعة هارفارد حين عثر باحثوها في الدم على عنصر أعطوه اسم (GDF11)، أما زملاؤهم من جامعة بركلي (كاليفورنيا) فربطوه بهورمون الحب (Oxytocin)، باعتباره المسؤول عن «التشبيب».. لكنهم حتى الآن، وأمام تجربة الفئران، لم يعرفوا على وجه الدقة ما هو العنصر السابح في دم الفأر الفتى الذي منح الشباب للفأر العجوز الواهن. وأمام هذا اللغز قامت شركة «الكاهيست» في «منلوبارك» بكاليفورنيا بتجربتها الأولى على 18 عجوزاً مصابين بمرض الزهايمر، عبر حقنهم ببلازما من فتيان أقوياء، لكن بكلفة 8000 دولار للعجوز الواحد، على أمل أن تعود لهم ذاكرتهم المنسية، وأطلق على التجربة الرائدة اسم «امبروزيا»، مما دفع «توني وايس كوري»، من مؤسسي جمعية البحث في الشيخوخة، إلى التذكير بقصة دراكولا الروماني الذي كان يمتص شباب الفتيات فتدب فيه الحياة مجدداً، ويدفع الفتيات للتحول إلى دراكولات.

أما في معهد «ماكس بلانك» في كولن، فأجروا التجربة على السمك، هذه المرة ليس بنقل الدم، بل بطريقة لا تفتح الشهية؛ بإطعام السمك العجوز من براز ومخلفات السمك الفتي، ولدهشتهم فقد امتدت الحياة في العجوز 40%. ورغم ذلك لم تكن المشكلة في البراز بل محتوياته، كما كشف الدكتور «مك فيب»، من تورنتو، عن علاقة البراز بالدماغ، لوجود مجموعات من باكتيريا الأمعاء مسؤولة عن إفراز النواقل العصبية المهيمنة على عمل الدماغ مثل السيروتونين ونور أدرينالين ودوبامين.

* نقلاً عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.