ينابيع الشباب

خالص جلبي

نشر في: آخر تحديث:

كلنا يكره الموت، ويتمنى الحياة ولو ألف سنة، لكن كل واحد منا يكره أن يتقدم في السن ويشيخ، فالشيخوخة يرافقها المرض والعجز والتشوه وفقد الفاعلية وضعف الإنتاج والفقر.

لقد بدأت التجارب في هذا الصدد باستخدام كيمياء الأدوية لقهر الموت، فأجسادنا حسب الفيلسوف الفرنسي ديكارت لا تزيد على آلات، ومنه درسنا علم الفسيولوجيا في الطب، كي نعرف كيف يعمل البدن، ويدور الدم، وتسيل عصارة الكبد، ويتلون البول بمادة البيليروبين.

حالياً يجرب طاقم من مؤسسة دراسة الشيخوخة في نيويورك (Aging Searching) يقوده الباحث نير بارزيلاي بالتجربة على 3000 شخص بأعمار تتراوح بين 65 و79 بإخضاعهم لتجربة تناول مادة الميتفورمين (Metformine).

ومن اللافت للنظر أن هذا الدواء معروف منذ عشرات السنين، ويستخدم في معالجة مرض السكري من النوع الثاني، فمرض السكر مرَضان؛ أولهما يعود إلى فترة الطفولة والشباب ويعالج بالأنسولين، وثانيهما يأتي من ضعف البانكرياس مع التقدم في السن، وهو يصيب الجسم بعد سن الأربعين، وهذا يعالج بتنشيط البانكرياس لينهض من ضعفه بمادة «الميتفورمين».

لقد تبين أن هذا الدواء يشبه السحر، فهو يحرر البدن من السكر، والقلب من الاحتشاء، والدماغ من السكتة (الجلطة)، والمخ من الخرف، بل ويرفع مقاومة البدن ضد الإصابة بالسرطان.

ومن هنا فقدْ فكَّر الدكتور «بارزيلاي»: لماذا لا نجرب هذا الدواء في معالجة الشيخوخة وضمور الأعضاء؟ لكن ثمة عائق أمام التجربة، ألا وهو وكالة مراقبة الأدوية الأميركية (FDA). إنها لا تسمح بإجراء التجارب اعتباطاً، بل لابد من أمراض محددة التعريف، فيما تجارب مد العمر وقهر الموت لا يدخل تحت تعريف محدد.. فما العمل إذن أمام شغف العلماء باقتحام المجهول؟

لقد أثار هذا الموضوع أيضاً شهية طبيب آخر من جامعة إيلينوي في شيكاغو هو «جاي أولشانسكي» (Jay Olshansky) الذي قرر اقتحام بوابة الخلود، وقد قال: إذا استطعنا مد عمر حياة الديدان الشريطية عشرة أضعاف، فلماذا لا يكون هذا عند الإنسان؟ لنجرب إذن ولنبدأ من مادة الميتفورمين؟ لكن لابد من الالتفاف على البيروقراطية الشديدة وتعقيداتها في وكالة مراقبة الأدوية الأميركية (FDA).

هنا طارت السيدة إليزابيث باريش (Elizabeth Parrish)، وهي مديرة شركة بيوفيفا (Biotech-Firma Bioviva)، في مدينة سياتل، إلى كولومبيا لإجراء التجارب هناك حيث القيود أخف منها في الولايات المتحدة.

لقد طورت «باريش» جرعة خاصة من الجينات مضادة للشيخوخة غير الميتوفورمين. ويقول البيولوجي ليونارد جوارنت، من معهد ماساشوست للتكنولوجيا، إنه أمكن تطوير ماهو أقرب لنظام الغذاء، في صورة أدوية للقضاء على الشيخوخة وفعل الزمن. إنهم يقدمون دواءً باسم «ايليزيوم» (Elysium Health Basis) وبقيمة خمسين دولاراً للعبوة الشهرية، ومعه توصية ستة من فطاحلة العلماء، ممن نالوا جائزة نوبل في العلوم، ينصحون بتناول الجرعة السحرية من الدواء.

لكن من أين جاءت الرغبة الدفينة في كسر حلقة الموت المحدقة بكل واحد منا، ولو جزئياً بالهرب من الشيخوخة المملة، والطمع بعمر شباب لا يذوي؟ وفي معركة ظاهرها الهزيمة لن يفلح فيها أحد، فملائكة الموت باسطو أيديهم وهم لا يفرطون، لماذا كل هذا الجهد والإنفاق إذن؟

هنا يشتبك مثلث الفلسفة والعلم والدين. الدين يقرر، والفلسفة تشكك، والعلم يتحدى.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.