صُنَّاع التطرف والإرهاب

عمار علي حسن

نشر في: آخر تحديث:

يعود تاريخ التطرف الإسلامي إلى قرون طويلة، ولا نبالغ إن قلنا إنه يرجع إلى الفتنة الكبرى في صدر الإسلام، التي أنتجت الخوارج، الذين لا يزال كثير من أفكارهم وتصرفاتهم يتم تداوله حتى الآن. ولكن هناك عوامل متجددة تغذي الإرهاب كي يستمر، للأسف، ومنها وجود دول ترعى الجماعات والتنظيمات الإرهابية والتكفيرية وتوظفها لخدمة مشاريعها، وتحقيق أهدافها، ووجود ظروف اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية تسهم في خلق ذرائع للمتطرفين والإرهابيين، وبيئة حاضنة أو منتجة لهم.

وما يزيد الطين بلة أن هناك تطرفاً اجتماعياً، بشكل عام، يغذي التطرف الإسلامي أو يمهد الأرض أمامه، ولكن يظل التطرف على أساس ديني له وجهه المنفصل والمستقل، حيث لا يمكن أن يُعزى هذا النوع من التطرف إلى أسباب طبقية تتعلق بالتهميش والعوز وإنما له جانب قيمي، وآخر نفسي، وثالث عقائدي، وكله يدور في ركاب الفهم الخاطئ للدين، أو التأويل المفرط والمغرض لنصوصه، بغية خدمة المشروع السياسي للجماعات والتنظيمات الدينية، وهو مسار شقته جماعة «الإخوان» قبل نحو تسعين عاماً، ومشى فيه أتباعها، وهم يضعون المسدس إلى جانب المصحف، أو يضعون الأخير بين سيفين متقاطعين.

فمن ينظر إلى ما يجري على الساحة الآن يجد جماعة «الإخوان» تتبرأ من أعمال العنف، على الرغم من أنها التنظيم الأم الذي أفرز كل حركات الإرهاب الإسلاموية، أو هي العباءة الكبرى التي خرجت من أكمامها في العصر الحديث كل التنظيمات والجماعات والتجمعات السياسية التي اتخذت من التطرف الديني أيديولوجية لها، فالبعض نشأ ليوازيها أو يضاهيها، والبعض نشأ لأنه رماها بالتخاذل والتباطؤ في الصراع بغية الوصول إلى السلطة. ولكن أفكار مؤسسها حول الدين والدولة والجماعة التي تمثل الإسلام، ثم أفكار سيد قطب أحد قادتها اللاحقين عن «الحاكمية» و«العصبة المؤمنة» و«المجتمع الجاهلي»، أثرت تأثيراً بالغاً في كل التنظيمات المتطرفة ليس في مصر وحدها وإنما في العالم الإسلامي بأسره.

وهذه الجماعات والتنظيمات المتطرفة والإرهابية تشكل، من دون شك، خطراً داهماً، على الدين والوطن في آن. فهي مسكونة بفكرة اقتطاع أجزاء من الدول لإقامة كيانات إسلاموية عليها، توطئة لإقامة «الخلافة» على القتل والتخريب والتدمير والسبي والنهب والسلب، من دون فهم أن الخلافة لم تكن أبداً فريضة أو ركناً من الإسلام وإنما هي تجربة تاريخية جاءت في زمن الإمبراطوريات، الذي لم يعد له وجود، مع ظهور الدولة الوطنية. أما الخطر على الدين فيكفي ما يطال الإسلام من تشويه جراء أفعال «بوكو حرام» و«داعش» و«القاعدة» و«أنصار الشريعة» وكل من كان على شاكلتها.

وقد يسأل سائل: أين دور الأزهر في نشر الاعتدال والتقريب بين مذاهب الإسلام وطوائفه؟... وإلى أي مدى لعب هذا التراجع دوراً في ظهور المتشددين الإسلاميين؟ وأين جهد الطرق الصوفية في نشر التسامح؟ وهل بوسعها التصدي للتكفيريين؟

في الحقيقة فإن مشكلة الأزهر أنه مثقل بأعباء إدارية وقوانين وتشريعات حان وقت تطويرها، وقبل هذا مناهج التدريس والتعليم العتيقة والمشبعة بآراء واجبة التغيير. وإذا أردنا للأزهر أن يأخذ دوره في محاربة التطرف علينا أن نرفع كل هذه العوائق، وننقل مهمته من مجرد تجديد الخطاب الديني إلى الإصلاح الديني، الذي بات فريضة واجبة الآن.

أما الطرق الصوفية، فعلى الرغم من كثرة عدد أتباعها، فليست لها خبرة في التعبئة على خلفية سياسية، وليس من مصلحة العالم الإسلامي أن نسيسها بدعوى إيجاد جبهة دينية في وجه المشروع السياسي لـ«الإخوان» والسلفيين، فالأصح هو أن يبتعد الكل عن مسار الحكم والسلطة والإدارة ويتفرغ لما يحتاجه مجتمعنا من الدين، وهو الامتلاء الروحي والسمو الأخلاقي والعمل الخيري، وهذا يسمى توظيف الدين في تحصيل القوة الناعمة للدولة. وفي ضوء هذا لو نشطت الطرق الصوفية وأدت دورها على خير وجه يمكنها أن تقطع الطريق على التيارات الدينية المتزمتة التي تسعى إلى احتكار الإسلام أو تدعي ذلك.

ولكن الأهم من هذا وذاك هو نشر الثقافة المدنية، وشيوع التفكير العلمي، وتعلم مهارات التواصل مع الآخر، والانفتاح على المختلف، وتفهم ظروف الآخرين وأفكارهم، ووجود جيل مؤمن بأن فصل الدين عن السلطة السياسية ضرورة.

*نقلاً عن صحيفة "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.