الجماعة والدراما التأريخية

علاء المفرجي

نشر في: آخر تحديث:

اصبح في حكم المسلم أنه لا يختلف اثنان في أن الدراما التلفزيونية هي إلى جانب الرياضة من الأجناس البرامجية التي تكتسي أهمية بالغة بالنسبة الى المحطات، بالنظر الى ما تحققه من نسب مشاهدة عالية.. وماتوفره تبعاً لذلك من حوار وإعلانات

وظاهرة البث الفضائي وتكاثر عدد القنوات أفضيا الى بروز تنافس شديد بين المحطات كان من نتائجه ارتفاع مذهل في حجم البث والاقبال المتزايد على الانتاج الدرامي لسد حاجيات البرمجة.

ومع أن النمو الملحوظ، كمّاً وكيفاً في العقدين الأخيرين، صار بالإمكان الحديث عن بوادر نهضة للدراما التلفزيونية.

وعلى خلاف ما يطرحه الكثير من النقاد والمتابعين للشأن التلفزيوني من بروز اقطاب انتاج واعدة في عدد من البلدان العربية مثل سوريا والخليج.. فإن الدراما المصرية ما زالت تحتل مكان الصدارة.. وكان بروز مثل هذه الطاقات الانتاجية سبباً مباشراً لارتفاع القيمة الفنية للأعمال الدرامية التي بدأت تتناول موضوعات يومية أو مستلة من الواقع المعيشي... وهذا ما يُحسب للدراما المصرية التي وجدت أن الاستعانة بالنجوم العرب من شأنه أن يفيد الدراما المصرية التي تبقى مع ذلك رؤية، وانتاجاً مصرياً خالصاً.

والموسم الحالي منح سبقاً واضحاً وأكيداً للدراما المصرية، وأكد بما لا يقبل الشك أن هذه الدراما تتفوق بخبرتها على كل ما عداها عربياً، وهي القادرة على تقديم وجوه جديدة ليس في مجال التمثيل فحسب، بل في كل عناصر الصناعة الدرامية من إخراج وتأليف وسيناريست.

ومن أهم الأعمال الدرامية في هذا الموسم هو مسلسل (الجماعة) بجزأه الثاني، الذي يتناول مسيرة حركة جماعة الاخوان المسلمين وأبرز الاحداث السياسية التي رافقت هذه المسيرة، ويعد هذا المسلسل نقلة مهمة في مسيرة الأعمال التي تتناول جانباً من التأريخ المصري المعاصر.
وقد واجه هذا العمل مع استمرار عرضه اختلافاً في الأراء، بين من يراه تجنياً على تاريخ الجماعة وبين من يراه أميناً لهذا التاريخ.

فلنعد الى أصل استخدام التاريخ في الدراما، فالإقناع الفني، وليست الحقيقة المطلقة هو ما يحدد نجاح أو اخفاق الدراما التاريخية، ذلك أن الحقائق ليست ثابتة بل زلقة ومتعددة تعدد الرواة والمفسرين والأدباء الذين يقدمونها وعبر التاريخ حقاً مشروعاً للمبدع، يتعامل معه بمرونة كيفما شاء، فقد كان امين معلوف باحثاً تاريخياً ولكنه روائي فذ. وبينما يرى بعض الكتّاب والمؤرخين كريستوف كولومبوس عبقري رآه البعض الآخر مهووساً أنانياً له نزعات استعمارية دموية فما هي الحقيقة؟ فالفن انما يقدم قراءة وتفسيراً للتاريخ يفيد العصر، ولا يسعى لتقديم وثيقة وأن دعم مقولته أحياناً عبر وثائق مختارة وقد نوافق الكاتب والمخرج، أو نرفض قراءتهما للتاريخ، في ضوء مواقفنا الشخصية وفي ضوء قناعتنا الفكرية وفي ضوء احتياجات عصرنا ما يحاسب عليه الفنان (كاتباً أم مخرجاً)، هو عادة ليس المصداقية التاريخية، فالأمر يتعلق في أن ترقى الدراما الى مستوى الوثيقة التاريخية أم الوثيقة هي التي ترقى الى مستوى الدراما"؟

لقد بذل مؤلف العمل وحيد حامد والمخرج القادم من السينما شريف البنداري، جهداً عظيماً بالاعتناء بالوثيقة ليقدما عملاً درامياً يتناول موضوعاً تاريخياً حساساً له ارتباط وثيق بتفاعلات الاحداث السياسية في مصر، وهما بالتالي كانا يتوقعان ردود افعال مختلفة عن العمل. فعملا على اضفاء تفسير درامي ذكي وخلّاق على الأحداث والشخصيات اعطت مصداقية فنية اكثر من المصداقية الحرفية.

*نقلاً عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.