قطر في مرحلة المماطلة

محمد صلاح

نشر في: آخر تحديث:

لا يبدو أن أزمة قطر سوف تُحل قريباً، فكل تصرفات الدوحة ترجح تصعيداً أو تعقيداً وليس حلاً للأزمة، وبغض النظر عن رد قطر على مطالب الدول المقاطعة فإن الإشارات والأفعال والأقوال والتقارير والكلام على ألسنة المسؤولين القطريين والمواقف التي يروج لها الإعلام القطري وبمنتهى الإصرار تصب في اتجاه الإساءة إلى الدول التي قاطعت، من طريق آلة إعلامية اعتادت مدى سنوات أن تُستخدم وسيلة لضرب دول وأنظمة وحكومات وتفتيت مجتمعات وشعوب.

المؤكد أيضاً أن المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات والبحرين وبقية الدول التي قاطعت، لا يمكن أن تقبل بتكرار ما جرى في العام 2014، عندما تعهدت قطر ثم عادت وتنصلت. وبالتالي لا مجال لحل الأزمة إلا بضمان وفاء قطر بتعهداتها التي قطعتها على نفسها، فالحرب التي تخوضها تلك الدول ضد الإرهاب جادة والمسألة غير قابلة للتسويف أو الخداع.

دخلت الدوحة الآن مرحلة المماطلة، ويبدو أن طول العِشرة بين قطر وجماعة «الإخوان المسلمين» جعل الدوحة تتأثر، وهي تدير أزمتها الأخيرة، بالأسلوب «الإخونجي» في ظل تسرطن «الإخوان» في المؤسسات القطرية، خصوصاً تلك المعنية بالإعلام والمؤثرة في السياسة، فجرى التعاطي مع الأزمة بالطريقة نفسها والآليات ذاتها التي تتبعها جماعة «الإخوان المسلمين» حين تمر بمشكلة: حالة من الإنكار اعتمدتها الدوحة، وما تزال، وتجييش وسائل الإعلام للإيحاء بأن لا أزمة من الأساس وأن المشكلة تكمن في نيات الدول التي قاطعت، وأن السلوك القطري طيب وسليم لكنهم لا يتفهمونه أو لا يفهمونه. هكذا يفعل «الإخوان» تماماً عندما تصارحهم بفشلهم، أو تؤكد لهم غضب الناس منهم، أو تكشف أسرار علاقتهم بالإرهاب والتنظيمات الإرهابية، أو عندما تلومهم على مؤامراتهم التي لا تتوقف لقلب أنظمة الحكم، وادعاءاتهم وكذب وسائل إعلامهم المستمر لخداع الشعوب، واستخدام التزوير والفبركات لخلق رأي عام يتعاطف مع الجماعة ويناوئ خصومها.

بعد الإنكار تأتي «المظلومية»، فالدوحة تعيش دور المظلوم الذي افترى جيرانه عليه، لمجرد أنه يشجع على الحريات ويؤيد الربيع العربي! وتعمد إخوانه التنكيل به لكونه فتح أراضيه واحتضن المظلومين والفارين من الملاحقات والمطاردات في العالم العربي، واستضعفه أصدقاؤه لمجرد أنه يختلف عنهم في الرأي والتوجه ولا يرى «الإخوان» جماعة إرهابية وإنما تنظيماً سياسياً. اختارت الدوحة أسلوب «الإخونجية» الذي تتبعه جماعة «الإخوان» كلما وقعت في مأزق، فيرتدي عناصرها ثياب المساكين المظلومين ويدّعون أنهم يمارسون العمل السلمي وينبذون العنف والإرهاب، بينما الكل يعرف أن جماعتهم ظلت توزع خريجيها من الإرهابيين على كل التنظيمات الإرهابية المتأسلمة ثم ينشرون صور «إخوانهم» الإرهابيين الذين حرقوا وقتلوا واعتدوا على الناس باعتبارهم أبرياء وأنقياء، وألقت الشرطة القبض عليهم وهم نيام في منازلهم. ويأتي استخدام الإعلام لترسيخ اعتقاد بأن هذا «الأخ» يحفظ القرآن الكريم وذلك «الأخ» محبوب وسط جيرانه ولم يمسك مسدساً في حياته وبالتالي لا يعرف شيئاً عن المتفجرات والقنابل والسيارات المفخخة!

وبالتوازي مع الإنكار والمظلومية يأتي دور العناد والكبر والجهر بالتحدي، فتستخدم الدوحة خطاباً سياسياً وآخر إعلامياً يصل إلى حد ادعاء أن المقاطعة أضرت بالدول التي قاطعت وليس بقطر، قبل أن تعود وتفخر بأنها شجعت الربيع العربي ضد دول تستحق أن يعصف بها! وأنها تناصر الشعوب الضعيفة وتدعم الديموقراطية وتسعى إلى تحقيق الحرية للمنكوبين بالديكتاتورية في الأرض، وإذا كان لديكم اعتراض أو رأيتم أن هذا يشجع على العنف أو يؤذي بلادكم أو يضرب مجتمعاتكم أو تماسك شعوبكم أو يؤثر على اقتصادكم فلديّ إيران وتركيا! أو سأسعى إلى تفتيت الخليج العربي باستقطاب الكويت وعمان إلى جانبنا!

تغير الزمن، وإدارة أوباما التي تبنت الإسلام السياسي ورأت «الإخوان» حكاماً «طيبين» للمنطقة رحلت، والدور الذي كانت اختارته لقطر انتهى. تماطل الدوحة وتلعب على عنصر الوقت لعل ترامب يرحل أو تمر فترة ولايته وتأتي إدارة أخرى تمنح الإسلاميين و «الإخوان» فرصاً جديدة! ولا تدري أن المسألة لا تتوقف على الأميركيين وحدهم، وأن ما أقدمت عليه الدول المقاطعة لها لا يمكن أن ينتهي قبل أن تترسخ سياسات جديدة ومواقف مغايرة تضمن حماية هذه الدول والمنطقة من الإرهاب والإرهابيين.

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.