حب وكراهية

ميسون الدخيل

نشر في: آخر تحديث:

أكرهه! قالت بصوت جهوري، خشيت أن يصل إلى آخر القاعة فتنتبه إلينا بقية السيدات. نظرتُ إليها بخوف وأنا أتلفت حولي كي تفهم قصدي، فهدأت قليلا وأكملت: أكره صوته، أكره تحكمه، أكره غيرته التي تلتف حولي كثعبان يضغط ثم يضغط حتى أكاد أفقد قدرتي على التنفس، وأكره حالتي حين أجبر على تقبل وجهة نظره كفرض بلا نقاش. هو المختص وهو الخبير وهو العالِم وهو الناضج، وأنا مجرد تابعة لا يحق لها أن تعبّر عن رأي أو حتى تكون لها شخصية!. وضعت يدي على كتفها، وأنا ما زلت أنظر إلى عينيها. لم أكن أريد أن أتدخل في تدفق المشاعر. أردتها أن تخرج كل ما يوجعها. أردت أن أتركها تتواصل مع ما يزعجها لترتاح. صمتت قليلا وأرخت برأسها ثم رفعته بأدمع متسارعة تنسكب على وجنتيها وقالت بصوت أجش كأنها تكلم نفسها: حتى عطره، هل تصدقي؟ حتى عطره لم أعد أطيقه! هنا مسكت بيديها وقربتهما إليّ حتى كادت تلامس وجهي وقلت: أين ذهب كل الحب؟ أين ذهب العشق والهيام؟ أريدك أن تغمضي عينيك وتعودي إلى تلك اللحظات، أريدك أن تعيشيها الآن بالاندفاع نفسه. لحظات صمت، ثم سألت: هل ما تشعرين به في هذه اللحظة حب أم كراهية؟
سأطلقها... نعم، هذا هو الحل! قالها وهو يدخل المكتب، ويتجه إلى صديق عمره.
رفع زميله رأسه عن الأوراق التي أمامه ونظر إليه بدهشة قائلا: من هذه التي ستطلقها؟! أجابه ببعض من العصيبة: بنت الجيران؟! بالطبع زوجتي! ليست هي من أحببت، ليست هي من حلمت بها وحاربت من أجلها،
لقد تحولت إلى كابوس يدك كياني دكا، لا أريد أن أسمع صوتها، لا أريد أن أرى وجهها، لا أريد أن أتحمل الغباء متجسدا في امرأة تسكن بيتي!
أنفر من ملمس يديها، أكره محاولاتها للتحكم فيّ، كلا لن أسمح لها بعد اليوم أن تجرّني إلى حيث لا أريد أن أكون!، لن أتحمل مزيدا من الألم والبؤس والشعور بالذنب. سأطلقها وأنتهي! تحركَ زميله من خلف المكتب ووقف أمامه وابتسم، ثم قاده إلى أول مقعد وأجلسه قائلا: قليل من الهدوء ولنبدأ من جديد، رفع نظره إليه وقال: أريد أن أطلقها!، كلا يا عزيزي لم أقصد من هنا، قاطعه وأكمل قائلا: ما أريده منك أن تبدأ من أول يوم عدت بعد أن رأيتها، أريدك أن تبدأ من تلك المشاعر، ثم سأذهب معك حيث تريد أن تأخذني، هيا اِبدأ فكلي آذان صاغية!
محاكم الطلاق في جميع أنحاء العالم تضج بأناس أحبوا بعضهم بعضا، ولكن باتوا يكرهون بعضهم بعضا بالقوة وبالاندفاع نفسيهما!
كم سمعنا بأقوال عن الحب والكراهية؛ هنالك خط رفيع بين الحب والكراهية، الحب والكراهية وجهان لعملة واحدة، يشقى المرء بالحب كما يشقى بالكراهية، الحب يذل والكراهية تدمر، عليك أن تحب قبل أن تكرهه...إلخ، نعم، سمعنا ولكن هل حقا نعرف؟
ما الذي جرى؟ كيف تحولت كل هذه المحبة إلى بغض وكراهية؟! حين يكون الحب مرتهنا بدواخلنا وبالنسبة إلينا، بشروط معينة، يحدث خلل في التوازن والاستقرار النفسي، ويبدأ النفور عند أول تصرف يخل بتلك الشروط.
نعم، هنالك من يقول: أنت نصفي الآخر، أنت من يكملني، أنت حياتي كلها، أحبك بلا قيود بلا شروط، أحب كل شيء فيك؛ صوتك، لمسة يديك، غيرتك واهتمامك، خوفك ولهفتك، فأنت... وأنت... وأنت، ولكن كل هذا في البداية حين نتخلى في زحمة المشاعر وقوة تدفقها عن تفردنا واستقلالية شخصياتنا. نكذب على أنفسنا حين نقول: إن حبنا بلا شروط!
نعم، نكذب ونخادع كي نعيش متعة اللحظة وانصهار الخيال مع الواقع؛ حسب تفسيراتنا لتلك المشاعر الفياضة التي تغمرنا بالسعادة والهناء!، وعند الخلل نكره كلما ما كنا نحب في الآخر!
نحن غير قادرين على أن نحب دون شرط أو قيد، نحن نحب لما نراه يتوافق مع ما في خيالنا، مع ما رسمناه وعشناه أحلاما أشغلت ليالينا وزادت من زرقة سماء أيامنا، ومع أول موقف لا يتطابق مع ما حفر في الوجدان، تحصل الصدمة، وبما أننا بشر وكل منا له شخصيته المنفردة وله تطلعاته وآراؤه وخبراته، فمن الطبيعي أن تتورم وتتضخم هذه الصدمة حتى تتحول إلى إعصار يهزنا ويقتلعنا من الحلم الذي كنا نحتمي بين طياته!
وإن كان هنالك عدم تواصل وطرق تفاهم وتنازل من الطرفين للتقبل، تبدأ ضربات الألم تشتد وكلما ازدادت حدة الألم كلما رأينا الآخر متسببا ونحن الضحية، مهددين بالأذى عند كل موقف، ومن هنا يبدأ فقدان التوازن والراحة النفسية لينتشر مكانها الشعور بالغضب فيتحول فيما بعد إلى كراهية! منا من يحاول أن يتظاهر أن يمثل لعل وعسى تعود تلك المشاعر، ولكن كل ذلك ليس سوى مُسكّن يتحول إلى بارود ينفجر عندما ينقطع ذاك الخيط الذي كان يشد أعصابنا، ونتحول إلى غيلان نضرب يمنة ويسرة، لا نعرف الفرق بين الصالح والطالح، نريد فقط أن نؤلم، أن نجرح، أن نذل، أن نجعلهم يدفعون الثمن!
إن الذي يتحكم في هذه المشاعر، بغض النظر إن كانت إيجابية أو سلبية، هو جهاز بسيط في الدماغ يطلق عليه «إنسولا» يقع في عمق منطقة من الدماغ داخل القشرة، حيث يشعر المرء بالحب والكراهية، بالشهوة والاشمئزاز، والامتنان والاستياء، بالثقة بالنفس والحرج والتعاطف والاحتقار والازدراء والفخر والإهانة والصدق والخداع والشعور بالذنب، حتى الاستجابة للجمال والموسيقى، كلها مشاعر تعبر عن إنسانيتنا، كان مجهولا إلى وقت قريب إلى أن وجد علماء الأعصاب الذين قاموا بدراسة هذا الجهاز، بأن من لديه عطب أو ضرر في هذا المكان لا يستجب بأي نوع من المشاعر، فقط سلبية تامة بمعنى لا شيء على الإطلاق، المهم أن ندرك أن هذا المكان لا علاقة له بنوعية المشاعر، سواء كانت سيئة أو جيدة هو فقط يطلقها. الآن حين نعرف أن شخصا ما يُفعّل هذا الجهاز كلما تقابلنا بحيث يصدر لدينا رد فعل قوي، قد يكون حبا وقد يكون كراهية، هل نستطيع أن نتحكم فيها ليس بقوتها لكن أن نُقلبها؟ ماذا لو حدث شيء بسيط، ماذا لو قام هذا الفرد بخطوة إيجابية غير متوقعة، ألا يمكن لكل هذه المشاعر المكثفة أن تتحول من كراهية إلى محبة؟
ماذا لو اقتربنا لنتعرف أكثر، أليس من الممكن أن يكون لدى من نكره إيجابيات، أو من كنا نحبه وبتنا نكرهه؟ ألا يمكن أن نتوقف قليلا ونفكر في أن الآخر ليس امتدادا لنا، بأن له أخطاء، بأنه ليس كاملا، بأنه إنسان بفصول أربعة أو ستة أو ثمانية، أن نحب بلا شروط ولا نمثل أو نتظاهر، فقد نحب أشياء ونكره أشياء في شخصية من نحب، أمر طبيعي وممكن لأن هذه طبيعة الآخر بل كل آخر؛ التنوع والاختلاف، ولكن النجاة تكون حين نحول قوة واندفاع مشاعر الكراهية إلى أشياء نستحضرها إلى الموقف، لتقف في وجه المشاعر السلبية وتحولها إلى إيجابية. قد نكره غيرته لكن نحب اهتمامه، نكره صمته وتجاهله لنا لكن نحب دفء تواصله، وهكذا إلى أن تتحول الصورة وتعود إلى البداية، وفي وقت هدوء واسترخاء نلتقط الفرصة لنتحدث ونفضي بما يؤرقنا ويضايقنا؛ كلّ من الآخر.
إن مشاعر الحب والكراهية من مصدر واحد وكلاهما يجعلنا نتصرف أحيانا بشكل غير عقلاني، كلاهما يشوش على تفكيرنا وحكمنا، مشاعر أشعلت حروبا ونظمت قصائد وملاحم أدبية، بل سيمفونيات ولوحات خالدة، كلاهما يجعل ضربات القلب أسرع، أكف الأيدي تتعرق وتتزايد الأنفاس بل حتى بؤبؤ العين يتمدد.. لنجعل هذا الزخم، هذا الفيض في صالحنا، ونتحكم في تغيير مساره، فمن كان حبيبا يوما يستحق أن نحاول ونحبه من جديد، فمن يدري قد يكون هذ المرة أقوى.

*نقلا عن صحيفة "الوطن".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.