عاجل

البث المباشر

روح «كول» تظل أوروبا

ودعت ألمانيا وأوروبا أمس المستشار الألماني الأسبق هيلموت كول الذي يعد واحداً من أعظم السياسيين الأوروبيين بعد الحرب العالمية الثانية. وكم كان مؤثراً وذا دلالة عميقة حين بدأ تشييعه في مقر البرلمان الأوروبي في ستراسبرغ الفرنسية، كمواطن أوروبي- ألماني، «لقد دخل كول التاريخ وهو لا يزال حياً وسيبقى خالداً». حسب أحد المؤبِّنين.

خلال ستة عشر عاماً منذ 1982 حتى 1998، أثبت أنه واحد من ألمع سياسيي أوروبا. وأكثرهم قدرة على خلق صداقات وعلاقات شخصية مع الرؤساء. يقول: «قالت لي أمي إن الناس حينما يكونون بخير فهم لا يحتاجون إليك، ولكن حين يكونون في ظروف عصيبة فعليك أن تكون قريباً منهم، لأنه غالباً لا أحد يتذكرهم، وربما تخلى عنهم أصدقاؤهم». لهذا يمكننا أن نفهم المرارة التي شعر بها حين تخلت عنه ابنته في السياسة المستشارة الحالية أنجيلا ميركل، بعد فضيحة التبرعات للحزب، وبعد أن رفض الكشف عن أسماء المتبرعين، وشعرت ميركل التي تبناها كول منذ 1991 بأن سمعة الحزب المسيحي الديمقراطي على المحك، قالت حينها: «لقد أضر بالحزب، ولم نعد بحاجة إليه».

يقول واحد من مستشاريه: «عليك ألا تقف في وجهه، إنه يشبه ناقلة نفط، فهو عملاق وضخم وسوف يسحقك». زادت الاحتجاجات بعد أن مني اقتصاد ألمانيا الشرقية بالانهيار وازدادت البطالة بعد قيام الاتحاد بفترة قصيرة، ولقيت تلك الاحتجاجات هوىً عند قوى سياسية كانت كارهة لقيام ألمانيا موحدة. قوبلت فكرة توحيد ألمانيا برفض واسع دولي وأوروبي، قبل انهيار جدار برلين، وكان على هيلموت كول أن يقنع الاتحاد السوفييتي/ روسيا، وفرنسا وغيرهما بأن توحيد ألمانيا لن يكون خطراً على أوروبا، بعد خمسة وأربعين عاماً من القضاء على النازية. كان كول مضطراً إلى إقناع خصوم الاتحاد بأن ألمانيا ستكون ركيزة أساسية في بناء الاتحاد الأوروبي. راهن على أن اليورو سيكون عاملاً رئيساً في اندماج شعوب أوروبا، وأن ألمانيا ستكون في لب هذا الاندماج. كان يؤكد أنه «مع عملة أوروبية موحدة سيكون من العسير جداً العودة إلى الوراء». وكان هو نفسه وراء توسع الاتحاد من خمس عشرة دولة إلى 27 دولة.

في بداية مساره السياسي، وهو ابن 29 عاماً، كانت خطبه محل انتقاد، فقد كان خطيباً سيئاً، أحياناً يصدح بصوته مغنياً مع فريقه وأعضاء حزبه، ولم يكن غناؤه يحظى بالإعجاب. كان عنيداً ومن أولئك المهووسين بالعمل ساعات طويلة. وكان يتواصل مع الجميع، مع الأحزاب والساسة، والمعارضين، وكان يختار أن يقوم مع أشرس معارضيه بنزهة في الغابات أو في الجبال، ثم يخرج إلى الصحافة ويعلن أنهما يشعران بتقارب كبير. ولكنه كان عدواً للصحافة وقاسياً، وكانت بنيته الضخمة وسحنات وجهه فاكهة للرسامين الذي أغرموا برسمه على شكل إجاصة. ومع أن صوره مع عائلته كانت تظهرها متماسكة وسعيدة، إلا أن المصائب بدأت تنهال عليه كعقد انفرط منذ تقاعده عن السياسة 1998، ومرضت زوجته مرضاً نادراً كان يمنعها من الظهور في ضوء النهار، وبقي معها حوالى العام في منزل معتم لا يمكنهما الخروج منه إلا ليلاً وفي أضواء أكثر خفوتاً. وذات يوم اختارت الانتحار. ألف ابنه كتاباً عنه وصفه بالأب القاسي، وكان من المذهل أن أبناءه منعوا من حضور التشييع أمس بتوصية منه أو من زوجته، وكانت وصيته أن تمنع ميركل من إلقاء كلمة في توديعه، ولكنها في النهاية ألقت كلمة مؤثرة في وداعه.

*نقلاً عن "الاتحاد"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات