عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

ليست هذه هى المرة الأولى التى أتخذ من عنوان فيلم عنوانا لمقال، ولعل جدارة ذلك تزيد هذه المرة لأن ما بدأ فى ١٨ يوما منذ ٢٥ يناير ٢٠١١ ربما لم ينته حتى الآن. الأمر كله يبدو كما لو كان حلما أو كابوسا أو فيلما يستعصى على الانتهاء، ولا ينفك يظهر فى مشاهد مختلفة، فيها الكثير من الماضى، وقليل من المستقبل، وبعض من الثورة، وبعض آخر من التمرد، وثالثا بلا اتجاه. ورأيت فيما يرى النائم أننى فتحت على «اليوتيوب» فإذا هذا الفيلم «١٨ يوم» يأتى مضافا له أنه ممنوع، ومعه أنه «جيد التحميل». نقرته فبدأ السرد عن الثمانية عشر يوما الأولى فى هذه الملحمة الطويلة. باقى القصة جاءت فى كلمات من النقاد المحترفين والمدعين، ليس عما حدث، وإنما عن عشر قصص، هى مشاهد مختلفة لما جرى، وكانت نماذج مصرية مختلفة كان فيها بعض من أصالة، وبعض من الدهشة للتعامل مع ظاهرة جديدة لم يألفها المصريون منذ وقت طويل: الثورة. تم تصوير الفيلم والمشاعر ساخنة وحارة، ومن عشرة مخرجين كان فيهم الموهوب، وكان فيهم «الصنايعي»، ولم يخل الأمر من تعاطف وحماس، وبعض من التلقائية الفاحشة، أو هكذا كان الظن أن التلقائية لا تكون إلا كذلك.

مشكلتى أننى لم أكن ممن ذهبوا إلى ميدان التحرير، وأصابنى ذلك بحرج عندما قال لى مراسل أجنبى هبط على مصر فى تلك الأيام وهو مندهش كل الدهشة أن جميع من التقى بهم من المصريين أعلنوا أنهم كانوا فى الميدان كل هذه الفترة: ١٨ يوما. حاولت أن أجد عذرا فقلت لو أن الذهاب إلى الميدان كان أحد المتطلبات لكى أكون مصريا، فإننى لم أكن بعيدا فقد كنت مقيما طوال هذه الفترة فى مبنى الأهرام العتيد فى شارع الجلاء، ومن شرفة الدور العاشر كان ممكنا أن أطل على ميدان عبدالمنعم رياض الذى هو أحد روافد الميدان الكبير. ومن هناك ربما شاهدت ما لم يشاهده الكثيرون، بمن فيهم ليس فقط أبطال فيلم «١٨ يوم»، ولا أبطال فيلم آخر شاهدت عرضه الخاص فى مدينة نيويورك ذات يوم من سبتمبر ٢٠١٣، بعد الثورة الثانية بشهور قليلة، وكان اسمه «الميدان» الذى قيل ساعتها إنه مرشح لجائزة الأوسكار.

ما أذهلنى أن الأفلام والروايات كانت ناقصة نقصا مخيفا، ولا أريد أن أدخل فيما دخلنا فيه أثناء شهر رمضان المعظم من الفارق بين «التاريخ» والأشكال الأدبية والفنية، هذه معركة ينبغى لها أن تحسم لصالح العمل الفنى. التاريخ والمؤرخون لهم ناسهم، ولكن ما لا يغفر أن يكون الواقع أكثر إثارة وحبكة درامية مما جاء إلينا. سوف أترك جانبا ما لم أشاهده حول خروج قيادات الإخوان وجميع أنواع الجماعات الإرهابية من السجون وظهورهم المفاجئ فى بيروت وغزة، ولو أن القصة هنا تقع فى المراتب العليا لأفلام الإثارة التى تدور حول السجون والسجناء و«الهروب الكبير» منها. ولكن مشهد الدخان المتصاعد من ميدان التحرير كان خالعا للقلب خاصة بعد أن جاءت مشاهده على التلفاز ممثلا فى حريق مبنى الحزب الوطنى. المؤكد أن الورد الذى تفتح فى جناين مصر لم يكن ليفرط فى مبنى هو فى النهاية من الأرصدة المصرية، أو أن «الثوار» يمكنهم التفريط فى وثائق كثيرة قد توضح وقد تدين من ثاروا عليهم، وفى كل الأحوال فإنه كان من بين المقيمين فى الميدان الفسيح من يعتقدون أن وثائق مهمة من تاريخ مصر، بحلوها ومرها، لا ينبغى لها أن تضيع فى الحريق!.

المشهد الآخر شاهدته مباشرة ثلاث مرات، وهو اقتحام وحرق مبنى مجمع محاكم الجلاء الملاصق لمبنى الأهرام. لم نعرف من الذى جاء، ومن الذى ذهب، كانوا جموعا اقتحمت المبنى، أخذت ما أخذت، ثم كان الحريق الأول، خرجت منه اللهب ألسنة جائعة تلتهم القضايا ومصالح الخلق. فى المرة الثانية وقبل الحريق الثانى، أطلقوا الرصاص على مبنى الأهرام، سقط أحد الزملاء الشهيد محمد عبدالوهاب شلتوت فى الساعة الثانية من فجر يوم ٢٩ يناير ٢٠١١.

كان الرجل ممن تطوعوا لحماية المؤسسة، سقط الرجل الذى لم يفعل أكثر من حماية واحدة من الأصول الوطنية، ولم يرد اسمه بعد ذلك لا فى فيلم ولا فى قصيدة، كانت له قصة درامية لم يشهدها أو يشهد عليها فيلم من قبل، ولا من بعد. ما جرى فى مجمع محاكم الجلاء حدث فى مناطق عدة فى القاهرة، فى أقسام للشرطة، وبعضه الآخر فى مقار للحزب الوطنى، وبعضه الثالث فى مولات تجارية، صارت المدينة التاريخية نهبا لجماعات حارقة. كل هؤلاء كان وراءهم قصة ورواية وحبكات فى التآمر واللصوصية والإرهاب أيضا. كانت هذه هى الطبعة الأولى مما جرى من قصص ورويات فيما بعد عندما قامت الثورة الثانية لتصحيح الثورة الأولى، فكان الرد حرقا لكنائس ومتاحف على امتداد وادى النيل كله، وفى كرداسة صار الدين مذبحة!.

لماذا لم يؤلف أحد قصصا حول المشاهد التى شاهدتها، ولماذا استعصت كتابة السيناريو، ولماذا لم يكن الإخراج ممكنا لقصص درامية مثيرة ومحبوكة، وتجرى حسب مبادئ الصناعة السينمائية للأفلام الناجحة، وفيها كل المشاهد المفجعة وحولها حرائق ودخان ولهب، وموسيقى تصويرية فيها كل أنواع الطبول المحزنة؟، كانت أياما عجيبة حقا!!.

*نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.