كليات.. تهاوت عروشها!

عباس الطرابيلى

نشر في: آخر تحديث:

وبالبلدى.. كليات راحت عليها.. وبعد أن كان حلم الطالب أن يلتحق بها.. لأنها وحدها التى يتخرج فيها العظماء: فى السياسة، والأدب، والاقتصاد، والقانون.. أصبحت كلها، بلا منازع، فى الرمق الأخير!!

فى المقدمة من هذه الكليات كانت كلية الحقوق.. كلية الزعماء والوزراء والمشاهير ربما كان ذلك عندما كانت الخطابة والعمل السياسى هما سمة العصر، عصر النضال.. وكان الطالب فى السنة الأولى منها يحلم- ويتوقع - أن يصبح وزيراً.. وفى السنة الثانية سفيراً أو دبلوماسياً مرموقاً.. وفى السنة الثالثة - وقد انخفض مستوى الأحلام- يكتفى بأن يصبح قاضياً.. أو نائباً عمومياً.. أما فى الرابعة فكان يكتفى فقط أن يصبح محامياً.. الآن كل هذا تلاشى.. وبعد أن كانت كليات الحقوق فى القمة.. ها نحن الآن نجد أماكن عديدة فى كلها - دون استثناء - لطلبة المرحلة الثالثة من التنسيق.. بعد أن أصبح عدد خريجيها ربما أكبر من عدد المجرمين!!

وأيضاً كانت كلية التجارة - وقبلها مدرسة التجارة العليا - فى المقدمة.. ربما مع الصحوة التى أطلقها طلعت حرب باشا بإنشائه بنك مصر - كأول بنك مصرى بأموال من صغار المساهمين المصريين - والعديد من الشركات التى أنشأها.. وهى تحتاج بالتالى إلى خريجى كليات التجارة.. ثم عمليات تمصير الاقتصاد وما بعدها.

أما كليات الآداب - ومعها أيضاً - كلية دار العلوم فكانت كليات الأدباء والشعراء والكتاب والصحفيين.. ربما أيضاً بسبب أن العصر «الوطنى» الحديث نشأ مع مصطفى كامل كزعيم سياسى عاش فى كنف حاكم مصرى وطنى هو الخديو عباس حلمى الثانى وبداية حركة وطنية كان مطلوباً فيها إيقاظ همم الشعب بالخطابة والشعر والكتابة.. حتى إن «الأهرام» كانت تنشر قصائد الشعراء فى صدر صفحتها الأولى.. لأن الطلب - على الشعر - كان عظيماً!!

وأتذكر أننى أصررت وأنا أمام مكتب التنسيق عام 1957 أن أكتب رغبة واحدة هى آداب القاهرة.. لكى ألتحق بقسم الصحافة - ودفعتى كانت هى الثالثة فى تاريخ هذا القسم - وكان مجموعى يسمح لى أن أشترط ذلك!!

الآن انتهى عصر هذه الكليات.. بعد أن فقدت عروشها - وراحت عليها - وبات الطلبة يهربون منها.. بينما كانت - حتى سنوات قريبة- لا يبقى منها مكان خالٍ لطلاب التنسيق، بعد أن يحتل الطلبة كل الأماكن فى المرحلة الأولى للتنسيق.. وربما كان سبب شهرتها - وبالتالى شهرة أقسام الصحافة والإعلام بعد ذلك - نابعا من بريق العمل فى الصحافة أيامها، إذ كان أمامنا نجوم لامعة فى عالم الصحافة يملأون الأسماع.. ويجذبون العيون.

ونفس الشىء - بعد فترة - فى كليات الإعلام. ولكن تعدد هذه الأقسام والكليات وبالتالى تزايد عدد خريجيها ضرب هذه الكليات فى مقتل.. واسألوا كم عدد خريجيها.. وفى المقابل، كم عدد من يجدون عملاً يناسب خريجيها الآن.

■ وفقدت كل هذه الكليات بريقها.. وبالتالى هوت عروشها. وإن ظل البعض يعشق بريقها.. تماماً مثل الفراشات.. تهوى الضوء ولو فيه نهايتها.

■ ووجدنا كليات أخرى تحتل القمة ببراعة.. والسبب: لقمة العيش. أى فرصة العمل.. بعد أن وجدنا خريجاً من أوائل خريجى الاقتصاد والعلوم السياسية يبيع البطاطا المشوية.. والذرة المشوى على عربة على كورنيش القاهرة!!

■ وطالت الكارثة خريجى كليات ومعاهد السياحة والفنادق.. بسبب معاناة كل العاملين فيها الآن.. حتى فى المدن السياحية الشهيرة مثل الأقصر والمنيا والفيوم.. ولحقت هذه الكليات- التى كانت من كليات القمة حديثاً - بكليات القمة القديمة: الحقوق والآداب والتجارة.

وكل ذلك بسبب لقمة العيش.. ملعون أبو ذل الحاجة إلى وظيفة.

نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.