مريم شريف لن تصبح زعيمة لباكستان

د.عبد الله المدني

نشر في: آخر تحديث:

يبدو أن باكستان مقبلة على مرحلة جديدة من عدم الاستقرار السياسي على ضوء قرار محكمتها العليا مؤخراً بازاحة رئيس الحكومة المنتخب نواز شريف. والسبب مرة أخرى هو الفساد الذي خيم على الحياة السياسية وطال معظم زعماء البلاد، مدنيين وعسكريين، ربما باستثناء حالتي القائد المؤسس «محمد علي جناح» وخليفته «لياقت علي خان» اللذين لم يعيشا طويلا ناهيك عن أنهما حكما في حقبة لم يكن في باكستان ما يغري بالفساد. جاء قرار المحكمة على خلفية اتهام شريف مع اثنين من أبنائه، علاوة على ابنته مريم وزوجها صافدار بامتلاك حسابات وأملاك وعقارات مسجلة في الخارج لم تستطع عائلة شريف تقديم ما يفسر حصولها عليها بطريقة مشروعة، ناهيك عن عدم إفصاحها عنها للسلطات المعنية، الأمر الذي عده قضاة المحكمة الخمسة بالإجماع نوعاً من التحايل والفساد الذي لا يؤهل صاحبه للبقاء في السلطة. وهكذا يُتوقع أنْ يُحظر على شريف العمل في السياسة لمدة عشر سنوات على أقل تقدير، كما أن ابنته مريم التي كان يعدها لتكون وريثته السياسية على رأس حزب «الرابطة الإسلامية» لن تتمكن من قيادة باكستان في المستقبل، ولن تصبح «بي نظير بوتو» ثانية لكن «بنجابية» الأصل وليست «سندية». نعم، كان شريف يعد ابنته لخلافته على نحو ما فعله ذوالفقار علي بوتو مع ابنته اللامعة والموهوبة بي نظير التي نافسته سياسياً بضراوة، كما نافسته جهوياً وإقطاعياً في ظل حقيقة التنافس التاريخي المستمر بين إقليم السند الذي ينحدر منه آل بوتو، وإقليم البنجاب مسقط رأس آل شريف، غير أن جهود قوى عدة تضافرت لإسقاط شريف وأحلامه، قبل أن يُكمل فترته الدستورية المتبقي منها نحو عشرة أشهر، وذلك تكرارا لسيناريو حدث في ثلاث مناسبات سابقة:

ففي 1990 فاز في الانتخابات العامة ووصل الى السلطة، لكنه أقيل في 1993 من قبل رئيس الجمهورية آنذاك غلام اسحاق خان على خلفية اتهامات بفساده. وعلى الرغم من صدور حكم قضائي بعدم دستورية إقالته، إلا أنه اضطر للتنحي تحت ضغوط جنرالات الجيش.

وفي 1997 انتخب مجددا وصار رئيساً للحكومة، لكن أطيح به في 1999 على يد ضباط موالين لقائد الجيش آنذاك الجنرال برويز مشرف بسبب استيائهم من قرار لشريف بعزل مشرف، وهو في الجو عائداً من زيارة لسريلانكا. وفي 2007 عاد من المنفى الإجباري وترشح في الانتخابات العامة وفاز مجدداً، كما تكرر فوزه في انتخابات 2013 العامة، التي تلتها حركة احتجاجات واسعة ضده في 2014 بقيادة منافسه لاعب الكريكيت السابق «عمران خان» الذي لم يكف مذاك عن خلق الصداع لشريف تارة عبر تأليب الرأي العام المحلي عليه، وتارة عبر تقديم بلاغات ضده يتهمه فيها باستغلال مناصبه في الكسب غير المشروع.

ومن هنا قيل إن عمران خان هو أحد أضلاع المثلث الذي تآمر للإطاحة بشريف، على اعتبار أن الضلع الثاني هم القضاة الخاضعون لإملاءات العسكر، والضلع المحوري الثالث يتمثل في المؤسسة العسكرية التي ربما أرادت التخلص من شريف فأشارت للقضاة بادانته والتخلص منه. ولعل ما يؤيد الفرضية الأخيرة هو أن الثقة مفقودة بين شريف والعسكر منذ قيامهم بالانقلاب عليه في 1999، ناهيك عن اتساع الشرخ بينهما بسبب اصرار العسكر على الإمساك بالكثير من ملفات العلاقات الخارجية. وقد تجلى خلافات الطرفين مؤخرا في انتقادات وجهها شريف (على لسان وزير إعلامه واثنين من مساعديه) للجيش حول الفشل في التصدي للجماعات الإسلامية المتطرفة، الأمر الذي رد عليه العسكر بمطالبة شريف بإقالتهم.

بطبيعة الحال خرج من يصفق لقرار المحكمة العليا زاعما أنّ اطاحة السلطة القضائية لرأس السلطة التنفيذية لهو دليل على سير البلاد على طريق الشفافية والديمقراطية. لكن هناك الكثيرين ممن يخالفون هذا الرأي ويقولون إنه بسبب ظروف نشأة باكستان وتطورها السياسي وترنحها ما بين النظامين المدني والعسكري ظلت السلطة القضائية وسيلة لإضفاء المشروعية على قرارات الساسة.

والحال أن شريف سيبقى خارج المشهد السياسي، لكنه سيلعب حتما دورا من خلف الكواليس، خصوصا إذا ما تمكن شقيقه شهباز شريف (كبير وزراء إقليم البنجاب الذي يعد من أكبر أقاليم باكستان اكتظاظا بالسكان وأكثرها تطورا قياسا بأقاليم البلاد الأربعة الأخرى) من تشكيل حكومة بعد الفوز بمقعد برلماني في الانتخابات الفرعية المقرر إجراؤها بعد شهرين لملء المقعد الذي شغر بطرد شريف. لكن ما سيحدد مدى شعبية شريف، ومدى تأثرها بقضية فساده، والمدى الذي نجح فيه أنصاره ومحازبوه من حيث تصويره كضحية لـ «مؤامرة مكتملة الأركان» شاركت فيها جهات عدة هو الانتخابات العامة القادمة في 2018.

* نقلاً عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.