يبدو أن عثرات أبي يعرب المرزوقي بازدياد، المترجم المثابر، والأكاديمي الجاد بمسائل الفلسفة، والفقه بالمنطق وطرائقه، دمّره للأسف التحليل السياسي، وارتدت تنبؤاته الاستراتيجية الواهمة، ورهاناته السياسية الخاطئة عليه وعلى أتباعه، فهو علاوة على توتره الدائم، وطاووسيته مع الآخرين تذهب قيمة العلم، وقد قابلتُه وقرأته فهو مجيد بالفلسفة بغض النظر عن منهاجه، ونتائجه، ولكنه حين تدخل بالتحليل السياسي أخفق بشكلٍ ذريع.
البعض يعزو الحنق الذي يكنه المرزوقي لخليج الاعتدال يعود إلى فترة الربيع العربي، والبعض الآخر يؤرخ لاضطرابه السياسي بلحظة زيارة ترمب إلى الرياض، ولكن المطالع والمتابع يعلم أن المرزوقي كان على خصومة مع دول الخليج بشكلٍ عنصري، كما سبق وأن نقلت مقولته التي يرويها عنه محمد جابر الأنصاري وهي تنضح عنصرية وفوقية.
بعد إعلان السعودية عن مشروع البحر الأحمر في 31 يوليو (تموز) بمساحة تقارب الـ34 ألف كيلومتر مربع، متضمنة أكثر من 50 جزيرة طبيعية بين منطقتي أملج والوجه، نطق المرزوقي بطريقته المتعالية المعتادة، وبأسلوبه النزق الطائش، فهو وباكتمالٍ متوهم، وباغتباط غير مبرر قال إن «السياحة لا تناسب بلد الحرمين، إلا إذا كانت سياحة ثقافية ودينية، لكن يبدو لي أنها أولى مراحل العلمنة». هذا التصريح في قلبه المعنى الذي أريد انتقاده لدى الدكتور أبي يعرب، فهو المنطلق دائماً من يقينٍ مطلق، ومركزية ذاتية، وفوقية على الآخرين. من أريكته يغرد للسعوديين مخبراً إياهم بالذي يناسبهم والذي لا يناسبهم، وقد سبق وأن تحدث باستفاضة موجهاً رسالة لنا نحن السعوديين كيف نتصرف بأموالنا، وكيف يمكننا أن نخبر التنمية، ونضع أسس النهضة. يظنّ الأكاديمي التونسي أن السعودية خالية من المستشارين السعوديين والخبراء الأفذاذ، وأنها خالية من النخب الذين يستعان برأيهم لجهة خدماتهم الاستثنائية بالمؤسسات والحكومات من أنحاء العالم، يعتقد أن السعودية عبارة عن بئرين في صحراء وبضع جِمال.
أبو يعرب المرزوقي امتداد لفئة من المثقفين خبرناهم منذ فوران المد القومي؛ سيوفهم على الأعداء من ورق، وخناجرهم على الخليج مسمومة، هذا مع أن الكثير من المثقفين المناوئين والمستهترين والناصحين باغتباط قد تهافتوا على الجوائز في الخليج، وعلى الكرم المادي الذي يسبغ على المثقفين عادة من قبل المؤسسات الخليجية والحكومات، فهذه الدول السابحة على بحيرات من النفط والغاز لطالما أشركت الإخوة العرب بخيراتها من خلال تسهيلات كثيرة، علمية وعملية، ولم تكن الثروة خاصة فقط بالخليجيين، بل حتى اليوم يعتبر العرب العمل بتلك الدول من بين الفرص الذهبية لتأمين مستقبل مضمون، وعليه فإن التعالي الذي صبغ لغة بعض المثقفين العرب حين يتحدثون عن «الإسلام النفطي» أو «البداوة» أو «الثقافة النفطية» أو «الدول الإسمنتية» فإن قلوبهم تغلي بالحقد كما يغلي المرجل.
المرزوقي صاحب شعار «الوعي العربي بقضايا الأمة» وبعد إجراءات الدول الداعية لمكافحة الإرهاب كتب تدوينة بعنوان: «تسونامي الخليج أو حماقة الثورة المضادة العربية» وذلك على صفحته بـ«فيسبوك» بتاريخ 5 يونيو (حزيران)، فيها يقول: «محاصرة قطر ترد إلى عاملين عامين، هما الجزيرة، ولجوء المعارضين تعينا ووجود بعض الفارين من هولوكوست المعارضات العربية»، متوقعاً استنساخ «الربيع العربي» في الخليج.
فهو إذ يصطف مع قطر في دعمها للخلايا الإرهابية مثل تنظيم «القاعدة»، والحشد الشعبي، والحرس الثوري، و«داعش»، وجبهة النصرة، وطالبان، ينسجم مع دعواتٍ سابقة له، فالدكتور من المؤيدين للنفير إلى سوريا بغية «الجهاد» ويعتبر التونسيون تصريحات المرزوقي من جذوات نار النفير الذي قاد الشباب التونسي إلى حمم الموت. يقول الدكتور في تصريحه الشهير: «فهمت شعاري الثورة وبهما أعلل ضرورة الجهاد وأفخر بوجود شباب تونسي يجاهد في كل أصقاع الدنيا من أجل ما يؤمن به من قيم الكرامة والحرية. ولو كنت شاباً لكنت منهم. وعلى كل فأنا أجاهد بما يناسب سني. ولن أقبل السكوت أمام النذالات التي أراها تنصب على رؤوس أبطال المستقبل الذين سيعيدون للأمة مجدها ليس بالجهاد المباشر فحسب بل وكذلك بالاجتهاد العلمي الطبيعي والإنساني الشارطين لتحقيق شروط الكرامة والحرية. إني أخجل ممن يعتبر ذلك جرماً حتى إني أتساءل أحياناً: ما الذي دهى هؤلاء الذين يساندون بشاعات ما يحدث في سوريا ويعتبرون من ينصر المستضعفين فيها مجرمين؟!».
من الواضح أن المرزوقي واقع ضحية رهاناتٍ سياسية خطيرة، هي نقيض الاعتدال والاستقرار، إذ تتجه شعاراته نحو الأمة والثورة، بدلاً من الوطن والتنمية، والأكثر خللاً العلاقة المتوترة المزمنة مع السعودية ودول الاعتدال بالخليج، إذ يجنح كثيراً نحو التحليلات الانتقامية، راغباً بالنيل منها من دون أي مبرر، هذا فضلاً عن الاغتباط المتصاعد، والاستعلاء من دون وجود مبررات له، والثقة من دون وجود علتها، والنصح من دون توفر شروطه... ليته لزم غرزه، واهتم بشأنه وشأن وطنه، وترك الدول الأكثر اقتداراً ونجاحاً لأهلها وناسها، فأنصار دول الفشل أقل قدرة على نصح دول هي ضمن أقوى منظومات الاقتصاد العالمي، فدول الخليج مضيافة معطاءة مهما كان جزاء ذلك الجود، والحال يصحّ فيها قول المتنبي:
رَأيتُكُم لا يَصُونُ العِرْضَ جارُكمُ
وَلا يَدِرُّ على مَرْعاكُمُ اللّبَنُ
جَزاءُ كُلّ قَرِيبٍ مِنكُمُ مَلَلٌ
وَحَظُّ كُلّ مُحِبٍّ منكُمُ ضَغَنُ

نقلا عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.