عن حال الفلسفة في العالم العربي

رشيد بوطيب

نشر في: آخر تحديث:

هل يمكننا أن نتحدث عن فلسفة في العالم العربي؟ يلجأ المهتمون بهذا السؤال غالباً إلى تفقد وجودها في المكتبات والجامعات، ولكنهم لا يبحثون عنها في الفضاء العام، في النقاش السياسي والاجتماعي، في المؤسسات التربوية، سواء كانت الأسرة أم المدرسة أم النوادي الاجتماعية أو ما تبقى منها، في صياغة الخطاب الديني، والعلاقة مع الغريب، والإعلام إلخ...

في هذه الأماكن، إذا بحثنا عن الفلسفة، فلن نجدها إلا نادراً. هل شهدنا يوماً فيلسوفاً يتدخل في الشأن العام لبلده العربي، من دون مداراة للسلطة الحاكمة؟ هل شهدنا اهتماماً بما يقوله أصلاً؟ هل تمكن الفيلسوف العربي من الانتباه للبعد السياسي وأهميته في كل مشروع تنويري - فكري؟ أسئلة لن نحتاج لنجهد فكرنا كثيراً من أجل الإجابة عنها. يتوجب أن نعترف بأن حضور السلطة الطاغي لا يترك مكانا للفيلسوف، وليس للفيلسوف فقط، لأن السلطة العربية لا تسمح للناس بسماع خطاب مختلف عن خطابها، وهي تستغل الدين في ذلك، وتسلطه على كل من سولت له نفسه التفكير خارج القطيع. رب قائل: ولم الفلسفة بالضبط، وهم في الغرب نفسه، أرض الفلسفة، يتحدثون عن موتها؟ لا غرو أنه سؤال مشروع، فنحن نعرف أن العرب ظلوا دائما يعرّفون أنفسهم في علاقتهم بالغرب كما بيّن عبد الله العروي. والغرب قريب منا، وجزء من تحررنا ومن مأساتنا في آن. ولكن حتى أعود للسؤال عن أهمية الفلسفة، أود أن أذكّر هنا بمقابلة نشرتها مجلة «إسبري» الفرنسية في عددها الأخير (تموز/يوليو- آب/أغسطس 2017) مع الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، وفيها تحدث عن الفلسفة قائلاً: «انطلاقاً من مبادئ الفكر ما بعد الميتافيزيقي، لم تعد الفلسفة قادرة على تطوير صورة متماسكة للعالم. إنها تتحرك بين الأديان والعلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية والانسانية والفن والثقافة، من أجل التعلم منها، وبفضل فهمها لذاتها، تقوم بكسر الأوهام. لا أكثر ولا أقل. أضحت الفلسفة اليوم مؤسسة طفيلية تتغذى على صيرورات تَعلمّ غريبة عنها».

في تعليقه على ما قاله هابرماس، يكتب فيلسوف ألماني آخر، هو بيتر ترافني، قائلا إن مثل هذا الفهم للفلسفة «يحكم عليها بالانسحاب من النقاش العمومي، لتترك المجال فارغا للأيديولوجيين والشعبويين، وأيضاً لذلك الخطاب العلمي الذي يتمحور حول نفسه، ولثرثرة المختصين». يدافع بيتر ترافني لا ريب عن حضور أكبر للفلسفة في المجال العام، وهو في ذلك يضرب مثلا بأدورنو وكفاحه من أجل هوية ألمانية هي لا هوية، تحول دون تكرار أخطاء الماضي، وعن فلسفة أراد لها أن تكون صاحبة أيد متسخة وليس أيدي كانطية محضة، أي أيدي لا تهاب التدخل في المجال العام والنزول إلى الشارع والدفاع عن القيم الإنسانية، حين تتآمر السياسة والاقتصاد عليها. وبعيداً من هذا السجال المشروع بين هابرماس وما تبقى من أدورنو، يحق لنا أن نتساءل أيضاً عن أيدي الفيلسوف العربي، وهل له أيد أصلاً؟ وإذا ما كان، فمن الذي يعطل عمل يديه؟!

*نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.