اعتبارات هندية في أزمة الروهينجا

ذكر الرحمن

نشر في: آخر تحديث:

مسلمو ميانمار يسمون أيضاً مسلمي الروهينجا، ويعيشون في ولاية راخين، التي كانت تُعرف سابقاً بأراكان، التي تحدها الصين وبنجلاديش، ومع أنهم يُعتبرون أكثر مجموعة مسلمة اضطهاداً في العالم منذ سنين، إلا أنهم يواجهون حالياً مشكلة وجودية في وقت اضطروا فيه للفرار من منازلهم في ميانمار، وقد أصبح اضطهادهم مصدر قلق كبير، وإنْ لم يتم حله في أقرب وقت ممكن، فإنه سيؤدي إلى نزوح مئات الآلاف من المسلمين الأبرياء الفقراء ويتسبب في أكبر أزمة لاجئين هذا القرن.

وحتى الآن اضطر أكثر من 370 ألف مسلم روهينجا للفرار إلى بنجلاديش، وسط دعوات من قبل الولايات المتحدة وبلدان أخرى لحمايتهم. وإذا كانت حكومة ميانمار تقول إنها تحارب متمردي مسلمي الروهينجا، فإن إحراق القرى، وقتل المدنيين الأبرياء بمن فيهم النساء والأطفال، ونزوح هؤلاء بمئات الآلاف إلى خارج البلاد، إنما يُظهر بوضوح أن ذلك مجرد ذريعة لإخفاء أعمال التطهير العرقي المتعمدة.

جيش ميانمار، الذي يحكم البلاد منذ عقود، يصوِّر الروهينجا على أنهم مهاجرون غير شرعيين من بنجلاديش، وقد قام مؤخراً بسحب الجنسية من عشرات الآلاف من المسلمين، رغم أنهم يعيشون في ميانمار منذ أجيال وهم مواطنون لذاك البلد. أما زعيمة ميانمار المدنية «أونج سان سو كي»، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، التي تحكم البلاد بشكل مشترك مع الجيش منذ نحو عامين وتشغل منصب «مستشارة الدولة»، فقد واجهت انتقادات شديدة بسبب صمتها عن المذابح وطرد الروهينجا بتواطؤ مع رهبان بوذيين متطرفين. وتحت ضغط دولي قوي، اعترفت «سو كي» بأن 50 في المئة فقط من قرى الروهينجا لم تتعرض لهجمات، وتحدثت عن إمكانية عودة اللاجئين إلى مناطقهم بعد عمليات تحقق قانونية.

وهناك نحو 40 ألفاً من مسلمي الروهينجا لجؤوا إلى الهند موزعين على عدة ولايات هندية من جنوب البلاد إلى شمالها، ومن بين هؤلاء، ثمة نحو 6 آلاف يعيشون في الهند منذ ما يصل إلى 10 سنوات حتى الآن، وهم مسجلون لدى وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، ولكنهم يعيشون في فقر مدقع بمناطق عشوائية بائسة لا تتوافر فيها أبسط شروط الحياة الكريمة، وعلى الرغم من كل هذه الصعوبات، فهم يفضلون العيش في الهند للنجاة بأرواحهم من التعذيب والفظاعات. غير أن الحكومة الهندية تريد الآن طردهم من الهند أيضاً لدواع أمنية، والذريعة هي أنهم يمثّلون تهديداً لأمن الهند القومي و«عرضة» للتجنيد من قبل مجموعات «إرهابية» مثل «داعش» وأجهزة الاستخبارات الباكستانية، وأنهم «لا ينتهكون حقوق المواطنين الهنود فحسب وإنما يطرحون تحديات أمنية كبيرة أيضاً».

بيد أن القول إنهم دخلوا الهند بشكل غير قانوني، وبالتالي وجب رصدهم وترحيلهم إلى ميانمار، لا تليق ببلد يطمح إلى أن يصبح زعيماً عالمياً، ولا شك أن وصف لاجئين دخلوا البلاد هرباً من الاضطهاد وطلباً للأمان بأنهم مهاجرون غير شرعيين يتعارض مع سمعة الهند كبلد كان دائماً يفتح حدوده للمضطهدين ويمنحهم اللجوء، فقد فتحت الهند حدودها لملايين اللاجئين من التبت في الخمسينيات، ومن بنغلاديش في السبعينيات، وكذلك للاجئين التاميل من سيريلانكا في التسعينيات. والحال أنه حتى تصبح زعيماً عالمياً أو زعيماً آسيوياً، سيتعين على الهند أن تتبنى موقفاً أكثر نضجاً بخصوص مواضيع من هذا القبيل.

ويبدو أن جزءاً من أسباب رفض الهند توفير اللجوء للروهينجا يعود إلى علاقاتها مع ميانمار، وذلك على اعتبار أن هذا القرار اتُّخذ بعد زيارة رئيس الوزراء الهندي إلى ميانمار الأسبوع الماضي. وسياسة الهند تجاه ميانمار تحكمها بشكل رئيسي حاجة نيودلهي لمساعدة يانجون في تعقب ومحاربة المتمردين الناشطين على الحدود بين الهند وميانمار، إلى جانب حاجتها للطاقة، فقد ساعدت ميانمار الهند في أكثر من مناسبة في محاربة متمرديها في الشمال الشرقي حيث فشلوا في إنشاء ملاذات آمنة لهم عبر الحدود، لا بل إن الهند نفّذت عمليات مطاردة على أراضي ميانمار، ما يُظهر مستوى التعاون الموجود بين البلدين.

وفضلاً عن ذلك، فإن الهند ترغب في استغلال حقول النفط والغاز في ميانمار، وتحسين العلاقات الاقتصادية، وبالنظر لموقعها الجغرافي، فإن الهند كانت تَعتبر ميانمار دائماً بوابة لها إلى جنوب شرق آسيا. ثم هناك سبب آخر، ألا وهو خوف نيودلهي من بكين، التي تعمل على توسيع نفوذها في ميانمار، ولهذا فإن مقاربة الهند لموضوع الروهينجا تخضع لكل هذه الاعتبارات.

ومما لا شك في أن المسلمين الروهينجا يواجهون تهديداً وجودياً جدياً، ولكن الطريقة التي سيتعاطى بها جارا ميانمار، بنجلاديش والهند، مع هذه المشكلة ستُظهر مستوى نضج هذين البلدين الواقعين في جنوب آسيا، وبالتالي فإن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: أمام هذه الأزمة، هل ستختار بلدان مثل الهند دعم حقوق الإنسان الأساسية أم أن قرارها سيخضع لاعتبارات أخرى؟

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.