«كثير من الضجيج للا شيء» لشكسبير: الحب في زمن النضج العاطفي

ابراهيم العريس

نشر في: آخر تحديث:

تفيدنا سيرة ويليام شكسبير أنه بين عام 1598 وعام 1601 كتب على التوالي، وكما لو بخبطة قلم واحدة، أربع مسرحيات هزلية، هي الأجمل والأقوى بين هزلياته جميعاً، كما أنها معاً تتميز بكون حواراتها أتت في معظمها نثراً، لا شعراً، وهو ما يعاكس ما كان اعتاد عليه شكسبير في أعماله الأخرى حيث كانت الغلبة للشعر دائماً. فما الذي كان طرأ على حياة صاحب «هاملت» و «ماكبث «حتى يتجه هذا الاتجاه المباغت؟ أم أن «الموضة» عند اللحظة الانعطافية بين قرنين كانت تميل إلى الترفيه عن المتفرجين بدلاً من زحم أفكارهم بالقضايا الكبرى والمآسي المريعة؟ إن الجواب عن مثل هذين السؤالين يتطلب مراجعة دقيقة لمسار حياة شكسبير في ذلك الوقت، كذلك دراسة معمّقة لأحوال المجتمع، اشتغل الباحثون على ما يرتبط بها ومنذ كان شكسبير نفسه على قيد الحياة، ولا يزال خلفاؤهم يفعلون ذلك حتى اليوم، ودائماً ضمن إطار حلّ تلك الألغاز المتراكمة من حول حياة شاعر الإنكليز الأكبر ولكن كذلك من حول ارتباط حياته بكتاباته، ذلك الارتباط الذي يكاد يكون فريداً لديه. وفي الأحوال كافة، يمكن القول إن تلك المسرحيات كتبت في مرحلة نضوج شكسبير، وفي وقت كانت مكانته ترسخت بصفته سيد المسرح في زمانه من دون منازع، وكذلك في وقت كان يبدو له أنه بات قادراً على فتح الطريق مباشرة إلى علاقة حميمة مع جمهوره، بدلاً من أن يكون رعاته، من علية القوم، هم وسيلة تلك العلاقة. والمسرحيات الأربع التي نتحدث عنها هنا هي على التوالي: «كثير من الضجيج للا شيء»، و «كما تريدها»، و «ليلة الملوك» وأخيراً «سيدات وندسور المرحات».

> والأولى هي التي تهمنا هنا، أولاً، لأنها كتبت في عام 1595 (ونشرت للمرة الأولى في العام 1600) قبل الأخريات، وبعد ذلك لأنها الأشهر والأكثر تجديداً في عمل شكسبير في ذلك الحين. ونحن نعرف أن «كثير من الضجيج للا شيء» لا تزال تعتبر إلى اليوم واحدة من أجمل المسرحيات الهزلية والغرامية في آن، ولا تزال مصدر إلهام للفنون كافة. ولعل الميزة التي لفتت أنظار المشاهدين حين عرضت المسرحية للمرة الأولى تجلت في كون الحوارات الشعرية (والمونولوغات) فيها لا تتجاوز الـ720 سطراً، بينما كانت حصة النثر ما يزيد على 1700 سطر. ومع هذا يجمع الباحثون على أن هذا لم يتمكن من جعل المسرحية أسهل على القراءة أو المشاهدة من مسرحيات شكسبير الأخرى، ذلك أن هذا الكاتب الكبير تعمد هنا أيضاً أن يستخدم التفخيم اللغوي والعبارات المواربة، وأساليب الكتابة وصيغها المتنوعة، كما لو أنه يقدم درساً أرستقراطياً في المحادثة... حيث أن كل عبارة أو جواب إنما أتى ليرغم الطرف الذي تتوجه إليه العبارة على التفكير مطولاً لسبر أغوار مقدار التهكم اللاذع في العبارة. وعزا عدد من الباحثين هذا الأمر إلى كون شكسبير بنى جزءاً من أحداث المسرحية انطلاقاً من أحد فصول كتاب مفكر النهضة الإيطالية بالداسار كاستغليوني حول أهل البلاط وعاداتهم وحياتهم. ومن هنا تلك الأرستقراطية والتورية والعبارات التي تعني ألف معنى ومعنى في الوقت عينه.

> إذاً، انطلاقاً من حكاية وجدها شكسبير في كتاب كاستغليوني، رسم الجزء المتعلق بعلاقة بياتريس وبنديكت في هذه المسرحية التي كان لافتاً أن يترجم عنوانها إلى العربية على يد الشاعر خليل مطران تلك الترجمة الغريبة التي تقول «أسمع جعجعة ولا أرى طحناً» واتخذت مثلاً متداولاً منذ ذلك الحين. المهم أن حكاية بياتريس وبنديكت تشكل جزءاً فقط من أحداث هذه المسرحية التي تقوم أصلاً على حبكتين متداخلتين في الوقت نفسه، متداخلتين ولكن غير مختلطتين تماماً إنما متشابهتان من ناحية الموضوع. فحواهما الحب في الحالين، والخداع كجزء من مسار الحب نفسه. ولكن فيما نجد حباً يؤدي إلى الفرقة بفعل إدخال الخديعة فيه، نجدنا من ناحية ثانية أمام حب تؤدي فيه الخديعة إلى اللقاء.

> يتمحور الجزء الرئيس من مسرحية شكسبير هذه، حول كلوديو النبيل الشاب الذي يعود من الحرب التي كان خاضها الدون بدرو أمير أراغون، ضد أخيه الهجين دون جون، وكلوديو هو الآن عائد إلى مسينا في ركاب الأمير بدرو نفسه ودون جون، بعدما سامح الأمير أخاه، وها هم جميعاً مستضافون في قصر الأمير ليوناتو، حاكم مسينا. ومن فوره يغرم كلوديو بهيرو ابنة ليوناتو الوديعة الرقيقة، وهو غرام يباركه الجميع منتظرين له أن ينتهي بالزواج عما قريب. لكن دون جون، لأنه شرير دائماً، يرى الأمور بنظرة أخرى. وهكذا- كما سيفعل أياغو لاحقاً في مسرحية «عطيل»- يوحي جون لكلوديو ولأصدقائه بأن لهيرو عشيقاً. ويصدق كلوديو هذا إلى درجة أنه خلال الاحتفال بزواجه من هيرو ينتفض غاضباً ويشتم خطيبته، رافضاً متابعة مراسم الزواج. ويغمى على هيرو إلى درجة أن الجميع يعتقدها ميتة وتدفن بالفعل. غير أن خديعة جون سرعان ما تنكشف بفضل وعي شرطيين من أهل المدينة. وهنا يندم كلوديو على ما فعل، ولكي يعبر عن عميق ندمه يقبل الزواج من أخت هيرو... إذ تيقن أن حبيبته قد ماتت. ثم حين تأتي الخطيبة الجديدة وترفع الغطاء عن رأسها يصعق كلوديو، إذ يكتشف أنها هيرو نفسها... وهكذا تتم مراسم الزواج التي كانت قطعت قبل فترة بفضل هذا البعث لشخصية هيرو بعد موتها (وهو أمر يحضّر، في رأي دارسي شكسبير، لانبعاثات أخرى، من الموت أو من الاختفاء طاولت شخصيات شكسبيرية أخرى مثل إيموجين في «سمبلين» وهرميون في «حكاية الشتاء»، وغيرها من شخصيات كانت أولاً وقعت ضحية الغيرة).

> لكن كلوديو وهيرو حين يتزوجان يصحب زواجهما عرس آخر، هو عرس بياتريس، ابنة عم هيرو، وبنديكت، الشاب النبيل الذي يخدم في الجيش. والحال أن حكاية هذين تبدو منذ البداية على النقيض من حكاية كلوديو وهيرو. ذلك أن بياتريس وبنديكت يبدوان منذ أول المسرحية خصمين عنيدين لمبدأ الزواج من أساسه. كما أن بنديكت نفسه يصرح دائماً بعدائه للمرأة، زاعماً أن كل النساء- باستثناء بياتريس- واقعات في غرامه، أما هو فإنه لن يتوقف عن تعذيبهن بصدوده والويل لهن! وبياتريس نفسها لا تكف عن إعلان مقتها للرجال وعدائها لمبدأ الزواج. ماذا؟ أوليست هي ابنة آدم، ما يجعل الرجال كلهم إخوة لها؟ وهكذا تمضي لحظات كثيرة من المسرحية في خضم الصراع بين بنديكت وبياتريس. وهنا أيضاً، كما كانت الحال مع «المؤامرة» التي حاكها الأصدقاء لإعادة الجمع بين كلوديو وهيرو، ينصب هؤلاء الأصدقاء فخاً لبياتريس وبنديكت غايته التقريب بينهما. وهكذا يقاد كل واحد منهما لكي يصغي بنفسه وخفية إلى الآخر وهو يصرح بأنه يحبه، والعكس بالعكس. وهكذا إذ يكتشف كل من «المتخاصمين» أن الآخر موله به، تنجح الخطة وينتهي الأمر هنا أيضاً بالزواج.

> من الواضح هنا أن ما أراد شكسبير أن يقوله، من خلال حكاية بنديكت وبياتريس على الأقل، هو أن المخلوقات تحب، أو تُحَب، وأن دائماً ثمة طريقة ما يمكن بها استثارة اهتمام الطرف الآخر وتتلخص في إعلام هذا الطرف بأنه هو نفسه وبدوره محبوب ومرغوب. بمعنى أن «قوة هذه الدعوة الصامتة، أو المتخيلة حتى، يمكنها أن تسقط كل حواجز العداء أو اللامبالاة»، وما «مأساة الغيرة التي تشكل محور العمل هنا سوى دليل على صحة هذا التشخيص» حيث أن «معرفة المرء، أو اعتقاده، بأنه لم يعد محبوباً من حبيبه، أمر من شأنه أن يستثير أقصى درجات الكراهية».

> لئن كان الحب حضر دائماً في العدد الأكبر من مسرحيات شكسبير، وكذلك في سوناتاته كلها، فإنه هنا في مسرحية «كثير من الضجيج للا شيء» يشكل محور العمل ككل، مثلما هي حاله في معظم الهزليات التي كتبها. وواضح هنا أن شكسبير حين كتب هذه المسرحية ورفيقاتها، كان بلغ أوج نضجه العاطفي، ما مكنه من تحية الحب على هذا الشكل الربيعي بعدما كان قبل سنوات قد ربطه بأقسى درجات التراجيديا (في «روميو وجولييت» مثلاً). وشكسبير كان حين كتب «كثير من الضجيج للا شيء» في الرابعة والثلاثين من عمره، لكنه لم يكن كتب بعد، معظم أعماله الكبرى، مثل «هاملت» و «عطيل» و «الملك لير» و «ماكبث» و «العاصفة» وغيرها من الأعمال الخالدة.

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.