عاجل

البث المباشر

ممدوح المهيني

صحفي سعودي

26 سبتمبر.. يوم تاريخي وقرار عظيم

يتعامل الصحافيون – قدر الإمكان - مع الأخبار المتدفقة بلا عواطف. الهدف هو التركيز على نقل المعلومة الصحيحة وكتابة القصة المثيرة والانفراد بمقابلة خاصة. وهكذا يفعل الزملاء في موقع العربية.نت الذي يقدم الكثير من التغطيات المكثفة والمتميزة عن أحداث كبيرة لا تتوقف. أعاصير وتجارب نووية ونزاعات وعمليات إرهابية ومطالبات انفصالية وغيرها. ولكن القرار التاريخي للملك سلمان بالسماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة لا يشبه أي قرار آخر، وعاجله مختلف عن عواجل كثيرة تناولناها. قرار ملكي كبير واستثنائي ينتصر للمرأة السعودية بعد عقود من الحرمان أزاح شروط المهنة قليلاً، ومنح فرصة للابتهاج والسعادة أن تأخذ مكاناً أثناء صناعة المواد ونشرها.

عانت المرأة السعودية طويلاً من هذا المنع الذي جعلها تواجه أغرب المواقف. لا تستطيع ممارسة أمر طبيعي كالأكل والتنفس وهو حرية الحركة، وتضطر إلى البحث عن رجل أو حتى طفل لينقلها إلى سوق أو مستشفى. تشتري سيارة من مالها الخاص وتقدمها لسائق خاص يقود بها مع أنها أكثر مهارة منه. شهدنا في السنوات الأخيرة حوادث مريعة لمعلمات ذهبن ضحية سائقين متهورين، فقط لأنهن غير قادرات على القبض على مقود السيارة والانطلاق آمنات مطمئنات لمدارسهن. دخل الموضوع على طبيعته التي لا تستحق التفكير في دائرة الجدل المحتدم بسبب حفنة من المتشددين الذين شوهوا صورة النساء اللاتي يطالبن بالقيادة، ونشروا قوائم بأسمائهن، وشهروا بسمعتهن على الرغم من الإجماع الكامل على أن الأمر لا علاقة له بالدين مطلقاً. ولكن مثل هذه الاعتراضات ليست جديدة، بل ارتبطت بمحطات مهمة بمسيرة المرأة السعودية من التعليم الذي تدخلت الدولة في عهد الملك سعود لمنح المرأة حقها وحتى هذا اليوم الذي انتصر فيه الملك سلمان لها، وليضع هذه المرحلة خلفنا ونتفرغ لما هو أهم.

والمنع لم يضر النساء فقط، بل حتى الرجال والمجتمع بشكل كامل. من المؤذي نفسياً وأخلاقياً أن تخرج مع امرأة من نفس باب الوزارة أو المجمع التجاري، وتذهب أنت لسيارتك المكيفة وتضطر هي للوقوف بحثاً عن سيارة أجرة تحت الشمس الحارقة. ولن تجد إجابة للسؤال الأخلاقي التوبيخي: "ما الذي يجعلها تختلف عني؟!". كما أن اعتراضات الممانعين عن قيادة المرأة قدمت صورة مغلوطة ومشوهة عن المرأة السعودية على اعتبار أنها غير كاملة الأهلية وغير مساوية للرجل، لهذا لا تستحق أن تعطى هذا الحق البسيط أو - من جهة أخرى - مدللة و"ملكة" كما حاولوا مروجين لتطويق منطق المطالبين بقيادتها بمديح هو في حقيقته انتقاص. أي نوع كئيب وغريب من "الملكات" لا يحق لها الجلوس على كرسي القائد.

وكذلك المنع قدم صورة مغلوطة عن المجتمع السعودي، على اعتبار أنه معارض وضد أمر يجمع العالم عليه، وهذا غير صحيح. المجتمع السعودي في قطاعه الأعرض متقبل لهذه الفكرة، وهناك عدد كبير من النساء السعوديات في القرى يقدن سياراتهن في الأرياف والصحارى منذ عقود بدون أن يسببن اعتراضاً أو يثرن غضب أحد. ولكن مهما تعبر وتشرح وتقول هذه الحقيقة لشخص أجنبي فإنه يظل متشككاً وكأن أي سعودي يخفي في داخله جانباً رجعياً بشخصيته مهما تطور وتحضر. في دراستي في الخارج كنت أواجه هذا السؤال من الأميركيين أو الأوروبيين الذين يدهشهم هذا الأمر ويقولون لي: "هل تؤيد قيادة المرأة أم لا؟". وكنت أرد أن مجرد طرح هذا السؤال هو إهانة حتى لو لم تكن مقصودة وأمضي في طريقي، ولكني لا ألومهم. الصورة الذهنية لأي مجتمع تشكله أكبر الظواهر التي تحدث فيه.

من مضار المنع الخطيرة أنه شوه صورة السعودية خارجياً، حيث استغله أعداؤها وخصومها كذريعة لاستهدافها في كل مناسبة. كل مقابلة وتقرير يكتب عن السعودية ستجد معلومة المنع في السطر الثاني أو الثالث، وكم هو المشهد مؤلم نفسياً أن تجد بوقاً لملالي إيران أو إخوانياً تابعاً للدوحة يستغل هذه المسألة ويشوه صورة وطنك على الشاشات والمؤتمرات العالمية. من أهم فوائد القرار أنه سحب هذه الذخيرة من يد أعداء السعودية بعد أن أطلقوا منها النار لسنوات، وعكس المشهد بشكل كامل مع الأخبار الإيجابية والمحتفلة حول العالم من زعماء ونجوم الذين هنأوا المجتمع السعودي بهذه المناسبة التاريخية.

للقرار التاريخي كما نعرف فوائد اقتصادية كبيرة، أهمها توفير التكاليف الباهظة لاستقدام السائقين الذين تجاوز عددهم الـ 800 ألف. ولكن له جوانب إيجابية شبه مجهولة ولا تظهر على الشاشات ولا يعرفها الكثيرون. أقول ذلك وأنا أفكر بقصة جميلة قالها لي أحد الأصدقاء. يروي أنه في إحدى القرى تخرج في كل يوم جمعة مجموعة من النساء على سياراتهن ويقطعن عشرات الكيلومترات براً حتى يصلن حدود محافظة صغيرة. بعد صلاة الجمعة يقمن ببيع ما جلبن من زبد وأقط وغيرهما. بعد أن ينتهين يذهبن إلى السوبرماركت ويشترين بعض لوازم البيت وبعض الحلويات لأطفالهن الصغار، ومن ثم ينطلقن عائدات يسابقن الشمس المنحدرة سريعاً صوب الغروب. لهؤلاء النسوة الطيبات أهدي لهن هذا القرار العظيم، وبإمكانهن الآن القيادة في الطرق الآمنة المعبدة بدل الطرق الصحراوية الطويلة والوعرة.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة