حضرت شخصياً حفلةَ مصارعة الثيران في إسبانيا مرة واحدة بمدينة بالنسيا. منظر الثور عاصفة لا تخمد إلا بمعالجات أولية من طعنه بالرماح، حتى ينزف ويضعف، ثم يأتي دور المصارع الرشيق ليطعنه بالسيف الحاد إلى قلبه. هذا المنظر حدث في ساحة قرطبة، لكن على نحو مختلف؛ فقد تقدم عالِم يلبس الثياب المزركشة للمصارعين وبيده (ليس سيفاً) بل علبة صغيرة، ثم طلب إطلاق الثور.

يبدأ الثور في العادة قبل الهجوم ضرب الأرض بأظلافه. كان العالم واثقاً غير هياب من الموت طعناً بالقرون؛ بل استقبل الثور بهدوء بالغ؛ حتى إذا اقترب منه ضغط على زر في العلبة الصغيرة؛ فتوقف الثور الهائج مثل تمثال جامد. هذه التجربة قام بها عالم مثير من جامعة ييل هو (خوسيه غوليادو). فهذا ماحدث بالضبط؟ لقد زرع أقطاباً كهربائية في «النويات» القاعدية في دماغ الثور. ونعلم أن هذه النويات هي المسؤولة عن تنسيق الحركة.

إذا أراد أي منا، ولو رشف قدح، أو مسك قلم، أو كتابة سطر.. فهو يبعث الأوامر من الدماغ في الفص الجداري الأيسر، لتنزل عبر ممرات عصبية حتى النويات السوداء في قاعدة الدماغ، التي تعطي بدورها القدر المحكم من توازن الحركة، وإرسال الأوامر إلى العضلات والمفاصل والأوتار لتنفيذ الحركة.

وعندما تتلف هذه النويات لسبب أو آخر، يصاب المريض بمرض باركنسون الرعاشي، حيث يفقد ذلك التنسيق الضروري لحركات عضلات الجسم وتوازناتها المحكمة.

صاحبنا الدكتور (غوليادو) كان قد زرع في دماغ الثور مثل هذه الأقطاب وربطها إلكترونياً بالصندوق الصغير بين يديه. وكان هدف هذا الرجل إثبات نظريته حول التحكم بالعقل فيزيائياً. وهو موضوع كتابه الصادر عام 1969، والذي أثار به ضجة حول التحكم الفيزيائي بالعقل، حيث قال إنه يمكن التحكم كذلك بالبشر آلياً.

وقد سبقه إلى هذه الفكرة منذ زمن «الدوس هكسلي» في كتابه «عالم شجاع» حين اقترح تحديد الناس في طبقات منذ الولادة عبر التحكم بكمية الأوكسجين الداخلة لدماغ الأجنة.

نحن الأطباء نعرف خطورة الدقائق الخمس الأولى من مجيء الجنين إلى الحياة، وهي خمسة مؤشرات رصدتها طبيبة مشهورة وعرفت بعلامات «أبجار» (APGAR) من لون الجلد وصراخ الوليد وحركة أطرافه.

ورأى هكسلي أنه إن أمكن التحكم بالدماغ البشري، يمكن إيجاد طبقة عليا بدماغ سليم تمثل النخبة العليا القائدة للمجتمع، وأعطاها الرقم الفا (@)، وفي القاع المتخلف عقلياً الطبقة (Y) التي مهمتها خدمة بقية الطبقات.

وهكذا هرع البنتاجون لخوض تجارب سرية من هذا النوع، عبر مشروع «امكولترا» (MKULTRA) الذي أجرى سبعة أبحاث خطيرة؛ مصل الحقيقة، ومسح الذاكرة، والوصول للمعلومات في التحقيق، وتحريض موجات راديوية معينة للأشخاص كي يتأثروا بما يرسل إليهم، واستخدام التنويم المغناطيسي، واستخدام أدوية تتحكم في العقل.

كان السباق شديداً مع الروس، خاصة أثر الحرب الكورية، وقد طور الروس طرقاً اشتهرت لغسل الدماغ.

مشروع «امكولترا» امتد من 1953 حتى 1977 حين كشف النقاب عنه، وقد تم إتلاف الوثائق المتعلقة ببعض بحوثه وإنجازاته، لكن بقي منها نحو 20 ألف وثيقة تشرح بعض هذه الخطط الذكية، والتي تبين أنها لم تحقق المطلوب أو المتوقع منها، وبذلك أثبتت الروح الإنسانية من جديد أنها غير قابلة للاغتيال والتصنيع.

*نقلاً عن "الاتحاد"
 

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.