خلال سنوات ما قبل الحرب العالمية الثانية، كان جان بول سارتر قد كتب ونشر العديد من النصوص الفكرية والأدبية وحتى المسرحية، غير أن كتبه الكبيرة والتي سوف تصنع مكانته في تاريخ الفكر الفرنسي والعالمي، كانت لا تزال في حاجة للانتظار سنوات وعقوداً أخرى قبل أن تظهر. ولعل في إمكاننا اليوم أن نقول إن تلك الأعمال الكبيرة المقبلة، أكثر مما ظهرت إرهاصاتها في ما كان أصدره خلال فترة ما قبل الحرب، ستظهر تلك الإرهاصات في ألوف الصفحات التي كتبها سارتر الشاب حين كان مجنداً في القوات الفرنسية، وتحديداً في دائرة التوقعات الجوية بين أيلول (سبتمبر) 1939 وحزيران (يونيو) 1940 حيث كان مكان خدمته منطقة الألزاس وكان في موقع لا يتطلب منه الكثير من الوقت في القيام بعمله. وهكذا نراه يملأ بكتاباته الدقيقة خمسة عشر كراساً ستختفي عن السمع طوال سنوات بل عقود بعد ذلك، بحيث إن بعضها فقط سيظهر للمرة الأولى في كتاب نشرته دار غاليمار بعد موت الكاتب بثلاث سنوات أي في العام 1983. ومع هذا، فإن ما نشر لا يشكل سوى ثلث حجم النصوص الأصلية. وكان السبب في هذا اختفاء بقية الكراسات لتعود وتظهر واحدة منها بعد ذلك بسنوات فتضاف الى طبعة جديدة للكتاب ظهرت في نحو 700 صفحة ما يعني أن الكراسات الأصلية لو ظهرت كاملة كانت ستستغرق ما لا يقل عن ألفي صفحة.

> والحقيقة أنه على رغم معرفة المحيطين بسارتر وقرائه بوجود تلك الكراسات، فإن الكاتب لم يشر إليها للمرة الأولى إلا عرضاً في إحدى فقرات كتابه «رسائل الى الكاستور». وهو سيقول بعد ذلك بصدد كشفه عن وجود النصوص بل حتى، للمناسبة، عن علاقته الشخصية بالحرب كإطار لتلك النصوص: «لقد كنت أخوض حرباً على صورتي، حرباً بورجوازية أنا الذي كنت قد اخترت السلاح الذي أخوض الحرب به، فبما أنني كنت من أصحاب النزعة السلمية اخترت سلاحاً مسالماً بفضل توصية مكنتني من ذلك. وبما أنني كنت مناضلاً ضد النزعة العسكرية أردت أن أخوض الحرب بوصفي جندياً بسيطاً أنا الذي كنت ضد الحرب لكوني مثقفاً. ثم بسبب عدم قدرتي على الحياة الطبيعية لإصابتي بالحول جُنّدت مع القوات الاحتياطية، أي مع الرجال المتزوجين والذين لديهم أطفال. ومن هنا كانت تلك الحرب بالنسبة الينا حرباً غريبة بل مضحكة. كانت حربنا تعكس رغبتنا العميقة في عدم خوض القتال نحن الذين كنا نعرف أن هتلر لن يهاجمنا وبالتالي كنا نتطلع الى ترك الحرب نفسها تتعفن مدركين كنه مشاعرنا. بمعنى أنني كنت أرى نفسي معكوساً في تلك الحرب التي كانت هي بدورها تنعكس فيّ وتعيد اليّ صورتي. وكانت النتيجة أنني رحت أول الأمر أكتب عن الحرب لينتهي الأمر بي الى أن أكتب عن ذاتي إذ باتت الحرب بالنسبة الي اشبه بفترة نقاهة...».

> أما ما كتبه سارتر على تلك الألوف من الصفحات والتي ضاع ثلثاها لأنه كان قد اعتاد أن يعير الكراسات، إلى أي كان ثم لا يستردها، مئات النصوص والأفكار التي تتراوح بين اليوميات والمقدمات والأفكار والحوارات الداخلية وصولاً الى ملخصات لأعمال مقبلة. كان يكتب وفق ابنته بالتبني آرليت القيّم سارتر التي تولت نشر ما توافر من النصوص، نوعاً من شهادة لجندي عادي يراقب سير الحرب والتفافاتها الغريبة، لكنه كان يكتب أيضاً نوعاً من إعادة تقييم الذات تسم لديه مرحلة انتهاء عهد الشباب. وبالتالي بات يمكننا هنا أن نجد كل ما أسس لسارتر الذي سيظهر كاتباً ناضجاً بعد الحرب مباشرة. ومن هنا أهمية هذا الكتاب والتساؤل عما دفع صاحبه الى عدم إصداره خلال حياته.

> ونعود هنا الى سارتر اللاحق إذاً لنقول في ضوء هذا الكتاب، إن الرصد الدقيق والمتابع للحياة الفكرية في فرنسا يقول لنا إن سارتر يكاد اليوم يكون نسياً منسياً، على رغم مناسبة من هنا وأخرى من هناك تستعيده للحظات خاطفة الى واجهة الاهتمام، قبل أن تعود فرنسا لتغرق في اهتمامات أخرى. ولعل العاملين الأساسيين اللذين جعلا لسارتر هذا المصير هما: وصول اليسار الى السلطة بعد عام من رحيله، وإخفاق هذا اليسار - الذي كان يمكن لسارتر أن يكون واحداً من محبذيه - في تحقيق برامجه وفي إحياء الأمل في نفوس الشبيبة من ناحية، وسيطرة التلفزة والفكر الاستعراضي على الحياة الثقافية من ناحية ثانية، ما جعل مفكرين تنطحوا لخلافة سارتر مجرد نجوم تلفزيونية تبتعد أكثر وأكثر من عمق التحليل الفكري، لتقرب من حدود الابتسار والأحكام القاطعة واللغة الطاووسية. هذان العاملان، إذ يضافان الى تراجع القيم والقضايا الكبرى، يمكنهما أن يفسرا ذلك التراجع الذي يطاول سمعة سارتر ومكانته، وأن يجعلا الحياة الثقافية الفرنسية التي كانت مليئة بالصخب والحيوية طوال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، شبه خاوية اليوم، لأن الحياة التي كانت تصنع في الجامعات ودور النشر والمجلات الأدبية، وفي الشارع أيضاً، صارت اليوم تصنع في التلفزة. ولأن التلفزة هي ما هي عليه، كان من الطبيعي لخلفاء سارتر الحقيقيين مثل ديلوز وديريدا وغاتاري أن يبقوا بعيدين من الأضواء، ليتألق تحت الكاشفات الضوئية مثقفون يطرحون أنفسهم خلفاء للفكر الفرنسي كله، من دون أن يكون أي منهم مؤهلاً حقاً للعب الدور الذي كان يلعبه أسلافهم الكبار. في مثل هذا الوضع لا يمكن أن يكون ثمة مكان حقيقي لأناس من طينة سارتر.

> جان بول سارتر الذي ولد في 1905، لكن في مقدورنا اليوم أن نقول انه ولد فكرياً مع دفاتر الحرب الغريبة تلك، ظل طوال القرن العشرين حياً في الحياة الثقافية الفرنسية، كما كانت حال بيكاسو في الفن التشكيلي مثلاً، وظل الاسم الذي يقفز الى الذهن أول ما يجري الحديث عن ثقافة فرنسية: كان روائياً وكاتباً مسرحياً وناقداً ومنظّراً في الأدب والنقد، لكنه كان قبل ذلك فيلسوفاً، عرّف فرنسا على الفلسفة الألمانية، وحاول المزاوجة بين الماركسية والوجودية، وربط نفسه أولاً وأخيراً بمفاهيم مثل «التقدم» و «الحداثة» و «الحرية» و «الالتزام»، وآمن بالعديد من القضايا العادلة انطلاقاً من إيمانه بالحرية والتقدم، ووقف ضد حرب الجزائر مطالباً بمنح الجزائر استقلالها، كما وقف الى جانب حركات الشبيبة ونزل الى الشارع متظاهراً حيناً، وبائعاً للصحف التقدمية حيناً آخر. ونزوله هذا جرّه أكثر من مرة الى أقسام الشرطة، وهو الذي لم يجرؤ حتى النازيون على اعتقاله حين كانت مسرحياته المعادية لهم (مثل «الذباب») تقدم على رغم أنفهم على المسارح الفرنسية خلال الاحتلال، فأسروه لفترة كجندي لكنهم لم يمسوه ككاتب. هذه الحيوية السارترية كلها تجلت في كتب فلسفية مثل «الوجود والعدم» و «تعالي الأنا» و «الوجودية مذهب إنساني» و «نقد العقل الجدلي»، وهي كتبه الفلسفية الأساسية. بيد أن سارتر لم يكتف بتوضيح فكره الفلسفي في كتبه «التقنية» الفلسفية الخالصة، بل عبّر عنه في نصوصه الإبداعية الكثيرة. كما كانت من أبرز روايات سارتر «الغثيان» وهي واحدة من أولى رواياته كتبها تحت تأثير فكر هوسرل الفينومينولوجي/ الوجودي. اما من بين مسرحياته، فيمكن التوقف طويلاً عند نصوص نشرت ومثلت مرات عدة على خشبات المسارح ويمكن لدراستها دراسة متأنية اليوم أن تكشف كم أن سارتر استخدم المسرح للتعبير عن أفكاره ومصادر قلقه. ويتجلى هذا في «موتى بلا قبور» التي تعالج مسألة السلطة ولجوئها الى التعذيب، كما في «المومس الفاضلة» التي تعالج قضية العنصرية، وفي «الأيدي القذرة» التي تتحدث عن إمكان غوص المرء في السياسة من دون ان يلوث يديه، كما في «الشيطان والإله الطيب» التي يعبر فيها سارتر عن مشكلة الحرية من وجهة فلسفية بحتة، وفي «الذباب» وغيرها. ومن الكتب المهمة الأخرى التي يمكن ذكرها اليوم في مجال الحديث عن سارتر كتابه المبكر عن جان جينيه، ورباعية «دروب الحرية» وسلسلة «مواقف» و «الحرب الغربية» وغيرها. بيد ان بين أهم ما يبقى من سارتر شخصيته نفسها. هو الذي لم يكفّ لحظة عن التأمل والعمل، والتغلب والبحث عن الحرية، ومواكبة الجديد كما مواكبة الباحثين عن الجديد، مسخراً وقته وفكره، بخاصة مجلته الشهرية الشهيرة «الأزمنة الحديثة» للنضال في سبيل الحرية والقدم، وأحياناً لتبرير تقلّباته.

*نقلا عن صحيفة "الحياة".

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.