السعودية.. قبل 1979 وبعد 2017

ممدوح المهيني

نشر في: آخر تحديث:

في حديث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الأخير أشار إلى مرحلة ما قبل 1979 وأوضح أن المجتمع السعودي لم يكن بالصورة التي صمّمها وروّجها عنه المتطرفون. ثم قال هذه الكلمات التاريخية: "نريد فقط أن نعود لما كنّا عليه.. الإسلام الوسطي المعتدل المنفتح على العالم.. لن نضيع 30 سنة من حياتنا في التعامل مع أي أفكار متطرفة.. سندمّرهم اليوم وفوراً".

أهمية كلام ولي العهد كبيرة لأن السعودية عندما تنطلق للأمام فإنها تستند على تاريخها وثقافتها وترتبط بهويتها الدينية والوطنية. من اليابان (الميجي) للصين (دينغ شياوبينغ) وحتى سنغافورة (لي كوان يو) الشعوب تنهض لأنها ترتكز على ماضيها المشرق الذي يلهمها للازدهار ولا يعيقها، وبذات الوقت تتبنى أسباب التقدم من دول ناجحة سبقتها.

الآن السعودية ما قبل 1979 هي الأساس والركيزة للسعودية ما بعد 2017. لكنّ كثيرين من غير السعوديين تحديداً يجهلون هذه المرحلة التاريخية والاجتماعية المضيئة والمشرقة قبل أن تقع الثورة الخمينية وتنتشر عدوى التطرف في المنطقة كلها.

قبل 1979 كانت مناهج التعليم تحض على الانفتاح والتعايش والتفكير المستقل، قبل أن يهجم عليها وعاظ الصحوة والإخوان ويدمروا هذه الروح التعليمية المستنيرة، ويستبدلوها بثقافة تشجع على الكراهية والموت.

في جيلي، نحن المولودين في آخر عقد السبعينيات، عشنا مثل هذه التجربة المزدوجة التي تصادمت فيها الثقافة السعودية الأصلية، بالإيديولوجيا المتطرفة الدخيلة. في بيوتنا يتصرف أهلنا على طبيعتهم النقية ولا أذكر يوما أن سمعت جملة تحرّض على الكراهية وتحوّل الآخرين المختلفين في الدين والمذهب والثقافة إلى أعداء وخصوم. محملين بمثل هذه الروح الفطرية المتفائلة، اصطدمنا في المدارس بإيديولوجيا تهدف إلى تصاميم شخصية كارهة ومعادية للعالم من خلال المناهج والمعلمين والنشاطات المتنوعة.

جيل الآباء والأجداد يعبّرون ببساطة عن تلك الروح السعودية. تديّن حقيقي غير ملوث سياسياً وبلا مزايدة ولا تنطع أخلاقي. ولهذا، فإن هذه الأجيال كانت منفتحة بطبيعتها على العالم وكان سهلاً عليها الاندماج في ثقافات مختلفة كما حدث في موجات الابتعاث في عقدي الستينيات والسبعينيات، ولم تقع فريسة للتطرف والتنظيمات الإرهابية كما حدث مع الأجيال اللاحقة حينما رأينا إرهابيين سعوديين ينضمون لتنظيمات مثل القاعدة وداعش ويفجرون داخل بلادهم ويقتلون أبناء وطنهم.

ثقافة ما قبل 1979 كانت متدينة باعتدال ومقبلة على الحياة والمستقبل، لذا لفظت أي عقائد متشددة حاولت التغلغل والتمدد، ولكن بعد ذلك غابت ثقافة التسامح وانتشرت ثقافة الكراهية وبعد أن كانت ذرات السعادة والتفاؤل تعبّئ الهواء، خيمت روح التشاؤم وعزف لحن الموت الكئيب.

المرأة السعودية في تلك المرحلة عبرت عن أفضل شخصية لها. قوية وواثقة قبل أن تحاصرها القيود في لبسها وسلوكها لتتراجع مكانتها ويختفي حضورها من المجتمع الذي كان في أمسّ الحاجة إليها، وكذلك مع الفنون الإبداعية التي كانت مزدهرة ونشيطة إلا أنها تم التضييق عليها وخنقها على الرغم من أن السعودية أنتجت كبار الفنانين مثل طلال مداح ومحمد عبده إلا أنك لا تشاهدهم على المحطات الرسمية وبحاجة للسفر خارج السعودية لحضور حفلاتهم.

مظاهر عديدة كانت تميز تلك المرحلة السعيدة من الحياة السعودية تم طمسها واستبدالها بمظاهر دخيلة وغريبة لا تعبّر عن روح ذلك المجتمع الفتي حينها. وسعى المتطرفون ليس فقط لتأثيم الصورة القديمة في الذهنية الاجتماعية، ولكن الترويج لهذه الصورة الظلامية في الخارج في محاولة لخلق هوة حضارية شاسعة بين السعودية والعالم المتحضر يصعب تجسيرها.

ولكن السعودية الجديدة في عام 2017 الآن تتصل بماضيها السعيد ما قبل 1979 مع القرارات الكبيرة مثل السماح بقيادة المرأة للسيارة وإصلاح التعليم وتدمير قوى التطرف والعنف، والسماح للفنون السعودية بالعودة لمكانها الطبيعي والمشاريع الاقتصادية الكبيرة مثل نيوم والبحر الأحمر وغيرها.

استرجعت الحياة ألقها ويعيش المجتمع السعودي أفضل أوقاته بعد أن استعاد عافيته وقيَمه الاجتماعية وتفاؤله وأمله في المستقبل. روح وماضي ما قبل 1979 تلتحم بروح ومستقبل 2017.

وفِي ذلك خدمة ليس فقط للسعودية ولكن للمنطقة والعالم حيث تقود السعودية مشروع التنمية والحياة والمستقبل بمواجهة المشروع الإيراني والإخواني والقطري والتنظيمات الإرهابية الداعية للتطرف والتخلف والموت.

وكما نرى في الوقت الذي يفد إلى الرياض المخترعون وصناع الحياة والمستقبل البشري، مثل ريتشارد برانسون، رئيس شركة فيرجين وغيره، يخرج من طهران مثل سليماني، لتلغيم المنطقة بالميليشيات الإرهابية ونشر ثقافة العنف والموت.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.