«تاج محل» رمز الحب وليس الخلاف

ذكر الرحمن

نشر في: آخر تحديث:

«تاج محل» واحد من عجائب الدنيا السبع، وجماله يأخذ بفؤاد كل من يزور المكان من الهند وخارجها. والقصر يمثل رمزاً للحب لأن الملك المسلم «شاه جهان» شيده تعبيراً عن حبه لزوجته الجميلة ممتاز محل. والأثر ينافس عجائب الدنيا السبعة الأخرى مثل سور الصين العظيم. وبُني القصر بلبنات الرخام الأبيض الخالص ويعود تاريخه إلى القرن السابع عشر ويرتفع في مهابة على ضفاف نهر «دون» أبنية بالقرب منه على مبعدة أميال مما يجعله أبرز نقطة سياحية رائعة الجمال في البقعة المقام عليها. ووصف الشاعر والكاتب الهندي الكبير طاغور القصر بأنه «دمعة منعزلة توقفت على وجنة الزمن».

ولطالما كان هذا الأثر الجميل مصدر فخر للهند. وأدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة القصر في قائمة مواقع التراث العالمي في عام 1983. وكثير من الشخصيات الأجنبية البارزة تدرج هذا الأثر في جدول زيارتها أثناء مرورها بالمنطقة. والأثر يزوره أكثر من سبعة ملايين سائح في العام، لكنه أصبح فجأة محور جدل سياسي من قبل القوميين الهندوس من اليمين المتطرف. واستمد هؤلاء جرأة من وجود حزب «بهاراتيا جاناتا» في السلطة وبدأوا يصرحون بأن القصر ليس له محل في تراث البلاد. ووصل الاعتراض على الأثر الجميل إلى حد الطعن في مدى أهمية بناء أقامه ملك مسلم. ويتصدر طائفة من الزعماء الذين ينتمون إلى الحزب الحاكم هذه الحملة وليس هذا لشيء إلا لأنه بني على يد إمبراطور مسلم أثناء فترة الحكم الإسلامي للبلاد وهي حقبة من التاريخ لا تروق هذا الحزب بخاصة.

ووصف هؤلاء الزعماء «تاج محل» بأنه وصمة عار في الثقافة الهندية، وحذروا من أن تاريخ فترة المغول سيعاد كتابتها. ولطالما انتقد رئيس وزراء ولاية أوتار براديش التي يوجد فيها القصر الأثر، وهو يرى أن القصر لا يعكس ثقافة الهند. ولذا، بمجرد أن تولى السلطة منذ فترة قصيرة أزال القصر من منشورات الحكومة السياحية. وأثار أيضاً عضو برلماني من حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم وهو «فيناي كاتيار» جدلا جديداً زاعماً أن القصر كان في الأصل معبداً لشخصية هندوسية مقدسة تُدعى «شيفا» واستولى عليه «شاه جهان». وقبل ستة أشهر، تقدمت مجموعة من المحامين بدعوى إلى القضاء قالت فيها إن المعبد أزيل كي يقام عليه «تاج محل».

من المؤلم حقاً أن يدور جدل بشأن التراث الحضاري الرائع للبلاد على أساس ديني. فمن الواضح أن هذا التراث الحضاري القيم لا يمكن أن يُنظر إليه بأنه ينتمي لدين واحد. ونعلم من التاريخ أن إمبراطورية المغول امتدت عبر شبه القارة الهندية في ذروة مجدها وتأسست عام 1526 وظلت قائمة حتى القرن التاسع عشر. ويتناثر في كل أنحاء الهند وباكستان وبنجلاديش آلاف الآثار التي تعود إلى حقبة الحكم الإسلامي بما في ذلك القلعة الحمراء التي ألقى منها رؤساء وزراء البلاد ومن بينهم رئيس الوزراء الحالي «ناريندرا مودي» كلماتهم الموجهة إلى الأمة الهندية في عيد الاستقلال.

ومن الواضح أن الغضب ضد «تاج محل» خطير للغاية، وهذا يرجع في جانب منه إلى أنه يخلق جدلاً غير ضروري، ويقسم البلاد على أساس ديني. وهذا ليس إلا ترويج لتشدد «طالبان» لكن بطريقة هندوسية. لقد صمدت الهند على مر العصور وانتعشت لأنها استوعبت كل الأديان والعرقيات وأي محاولة لإضافة الصبغة الدينية على الآثار التي هي هندية وحسب هو أمر خطير. وللهند تاريخ في الحركات الانفصالية في مناطق مختلفة من البلاد، وهذه المحاولة لفرض رواية مختلفة ستضر بالنسيج المتماسك للبلاد. والهجوم على «تاج محل» من الواضح أنه جزء من مساعي القوميين المتطرفين من الجناح اليميني للاستقطاب في المجتمع الهندي على أساس ديني.

وبناء على هذه الأرضية، يبدو أن الاستقطاب يُعد واحداً من المكونات السياسية الرئيسية لحزب «بهاراتيا جاناتا» للحصول على دعم من الناخبين الهندوس للحزب. ويجرب الحزب الحاكم فيما يبدو الجدل بشأن «تاج محل»، من خلال زعمائه كي يرى فحسب نتائجها. والهدف الأساسي سياسي فيما يبدو، لأن الحزب الحاكم يستعد لانتخابات عام 2019، التي من المتوقع أن تتضرر فيها حكومة «مودي» بسبب مشكلات كثيرة مثل الافتقار إلى فرص العمل وبطء النمو الاقتصادي.

ولحسن الحظ، فإن هناك غالبية من الهندوس ليبراليين وعلمانيين ولا يؤمنون بالتقسيم على أساس ديني أو عرقي. ولذا تسعى الحكومة الآن، تحت ضغط من أصوات الحكمة، إلى الابتعاد بنفسها عن الجدل لتؤكد على أن القصر الذي يرمز للحب والمشيد من لبنات الرخام الأبيض الرائع، والذي يعود إلى القرن السابع عشر في الهند شيده بناؤون هنود ولن يتم تجاهله. واستغلت أحزاب المعارضة القضية لانتقاد الحزب الحاكم ويطالب أعضاء من حزب المؤتمر القومي الهندي بتقديم تفسير من رئيس الوزراء بشأن القضية الخلافية بينما يتساءل آخرون إذا ما كان «مودي» سيتوقف عن مخاطبة الأمة من القلعة الحمراء وهي أثر آخر بناه حاكم مسلم ويمثل مصدر فخر للهند.

*نقلاً عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.