لعل أكثر مفاجآت الانتخابات اليابانية المبكرة التي دعا إليها رئيس الحكومة «شينزو آبي» في أواخر سبتمبر الماضي، وأجريت في 22 أكتوبر، هو أن «حزب الأمل» المؤسس حديثاً بقيادة عمدة طوكيو «يوريكو كويكي»، والتي قيل إنها تُشكل تحدياً كبيراً لـ «آبي»، لم يحصد سوى 50 مقعداً من مقاعد مجلس النواب البالغ تعدادها 475 مقعداً مقابل، حصول الائتلاف الحاكم (الحزب الليبرالي الديمقراطي + حليفه الصغير حزب كوميتو) على ثلثي عدد المقاعد (313). وبهذا ضمن «آبي» البقاء في السلطة لفترة ثالثة. فإذ قرر حزبه في العام المقبل أن يستمر زعيماً له فإن ذلك يعني بقاءه في السلطة حتى عام 2021، وبالتالي سيخلد اسمه كأكثر رؤساء الحكومات اليابانية بقاء في الحكم.

نستنتج مما سبق أن الحزب «الليبرالي الديمقراطي» ليس من السهل هزيمته، وسيبقى كذلك لسنوات طويلة أخرى لأنه حزب صلب متماسك بعكس منافسيه. فقد هيمن على الساحة السياسية، وحكم اليابان بنجاح طيلة الحقبة التالية للحرب العالمية الثانية، عدا فترات محدودة قرر فيها الناخبون تجربة حزب آخر يقود بلادهم، فجربوا وندموا وعادوا يمنحون أصواتهم لـ«الليبرالي الديمقراطي». وقد تجلى هذا بوضوح في الانتخابات الأخيرة، حيث تحدى اليابانيون واليابانيات طقس يوم الانتخاب الصعب وخرجوا يصوتون لحزب جربوه طويلاً، بدلاً من المراهنة على حزب يجهلون طريقة أدائه. نقول هذا على الرغم من أن نسبة المقترعين في الانتخابات كانت أقل من 54%، وهو ما جعل «آبي» يعلن أنه لا يملك تفويضاً شعبياً كاسحاً لتنفيذ خططه حول تغيير دستور البلاد، وبالتالي سيعرضها على استفتاء جماهيري.

كما نستنتج أن اليابان ليست مستعدة بعد لاختيار امرأة كي تقودها على غرار ما حدث في العديد من الأقطار الآسيوية الأخرى، حتى وإن كانت المرشحة في كفاءة وكريزما السيدة «كويكي»، وهذا يجرنا إلى الحديث عن دور المرأة في الحياة السياسية لهذا البلد المتقدم، وهو دور لا زال منقوصاً، ولا يتناسب مع ما بلغته من علم ومهارة في شتى مناحي الحياة، كما لا يتناسب مع نسبتهن المئوية من القوى العاملة (43%). فعددهن لا يزال قليلاً كقياديات في الشركات والمؤسسات الصناعية، ونسبتهن كمشرعات لا تتجاوز 15% من أعضاء البرلمان بمجلسيه. هذا ناهيك عن أن خطط الحكومة للوصول إلى نسبة 30% على الأقل فيما يتعلق بشاغلات الوظائف الإدارية العليا بحلول 2020 تعتريها صعوبات جمة سببها «الذكورية المحافظة» المتمسكة بفكرة أن أولوية المرأة يجب أن تتمثل في رعايتها لمنزلها وتربية أولادها، علاوة على التراتبية الهرمية المعمول بها في الأسرة اليابانية. وحول هذا قالت أستاذة الدبلوماسية في «جامعة كيوتو» العريقة «نانسي سنو» إن اليابانيات لم يدربن أو يشجعن على تولي أدوار قيادية، ناهيك عن أنه لأسباب اجتماعية وثقافية لا يسمح لهن بإبداء طموحاتهن، دعك من أنهن يسجلن في الوثائق الرسمية كممتلكات للزوج، وإذا كن عازبات يسجلن كممتلكات للأب.

ولهذا كثيراً ما يقوم الرجال بقتل طموحات النساء الساعيات لتبوؤ المناصب الحكومية والقيادية في المجتمع الياباني عبر الشوشرة عليهن والتطرق إلى أمورهن الشخصية، على غرار ما حدث مؤخراً حينما زعم صحفيون أن المرشحة «كويكي» تبالغ في استخدام الماكياج، وعلى غرار ما حدث قبل سنوات قليلة حينما نشر إعلاميون على مواقع التواصل الاجتماعي مقاس صدرية الزعيمة السابقة للحزب الديمقراطي «رينو موراتا».

لكن ما سبق ذكره لا ينفي أن هناك تطورات كبيرة ومشهودة حدثت في السنوات الأخيرة على صعيد تمكين المرأة اليابانية من البروز سياسياً وشغل المناصب الحكومية التي اعتاد على شغلها الرجال. نذكر منها تحديداً منحها حقيبة الخارجية للمرة الأولى في عهد رئيس الحكومة الأسبق «جونيتشيرو كويزومي» (تولتها ماكيكو تاناكا ابنة رئيس الوزراء القديم كاكوي تاناكا، وتمت إقالتها مع نائبها في يناير 2002 على إثر نشوب خلافات علنية بينها وبين نائبها، ناهيك عن اتخاذها لمواقف غير منسجمة مع مواقف الحكومة). كما نذكر في السياق نفسه أيلولة حقيبة الدفاع للمرة الأولى إلى عضو مجلس النواب لأربع دورات متتالية ورئيسة مجلس أبحاث السياسة في الحزب «الليبرالي الديمقراطي» السيدة «تومومي أنادا» التي اختيارها «أبي» للمنصب في أغسطس 2016، وأقالها في يوليو 2017 على خلفية الاشتباه بتسترها على تسجيلات قيل إنها تُعرض سلامة القوات اليابانية العاملة في جنوب السودان ضمن قوات السلام الدولية للخطر. وهناك أيضاً السياسية الشابة «رينو موراتا» التي عينها رئيس الوزراء الأسبق «ناوتو كان» وزيرة للإصلاح الإداري عام 2010 قبل أن تخسر مقعدها البرلماني ويتم تعيينها مستشارة خاصة لرئيس الحكومة، وقبل أن تعود في عام 2011 إلى حكومة رئيس الوزراء «يوشيهيكو نودا» كوزيرة مسؤولة عن الخدمة المدنية والمساواة الجندرية وانخفاض معدلات المواليد.

أما على صعيد قيادة اليابانيات للأحزاب السياسية، فنذكر انتخاب السيدة «موراتا» اليابانية الأم التايوانية الأب في سبتمبر 2016 كزعيمة للحزب «الديمقراطي»، في محاولة لإصلاح صورة الحزب الملطخة بالانقسامات والفساد والتخبط (اضطرت موراتا للتخلي عن القيادة على إثر انتقادات زملائها لها بالضعف في إدارة البلاد، ناهيك عن الكشف عن احتفاظها بالجنسية التايوانية، وهو ما يتعارض مع القانون الياباني الذي يلزم مزدوجي الجنسية بالتخلي عن إحداهما عند سن 22). كما نذكر قيادة «يوريكو كويكي» لحزب «الأمل»، علماً أنها تولت حقيبة الدفاع خلفاً لـ «تومومي أنادا»، قبل أن تفوز بعمادة طوكيو.

*نقلا عن "الاتحاد"
 

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.