قبل التعليق على زيارة بطريرك الموارنة بشارة الراعي للرياض، ولقائه التاريخي بالملك سلمان، من المهم أن نعود للوراء قليلاً لنتعرف على مشروع القيادة السعودية الجديدة في محاربة التعصب ومد جسور التقارب الديني والطائفي، وما لقاء الراعي إلا فصل واحد منه.

الواقع أن تعبيرات مثل "الحرب على التطرف" أو "تعزيز ثقافة التسامح" رددت كثيراً حتى فقدت معناها، لأنها تتجاهل غالباً الداخل وتوجه للخارج كصبغة تجميلية دعائية لإسكات الحكومات الغربية والمنظمات الدولية التي تضع الدول العربية والإسلامية في أسفل قائمة احترام الحرية الدينية وجهود محاربة التشدد. وبسبب هذه الاستراتيجية الإنشائية سمعنا كلاماً كثيراً عن ضرورة الإصلاح الديني والثقافي في الوقت الذي يزداد عدد المحرضين ويتضاعف رقم الانتحاريين المراهقين.

ولهذا فإن البداية الصحيحة والأمينة لمعالجة ظاهرة التشدد تبدأ من الداخل وليس الخارج. وهذا بالضبط ما فعلته السعودية الجديدة التي تقدم الخطاب نفسه للداخل والخارج بلغة واحدة صريحة غير مزدوجة. ومن يراقب الداخل السعودي خلال العامين الماضيين سيلاحظ خفوت أصوات التطرف من الواقع الحقيقي والافتراضي بعد عقود من ممارستهم النشاط الفكري المسموم بدون أن يواجهوا أي عقوبات حقيقية تحد من خطرهم. ورغم أن الحكومة السعودية صرفت مبالغ هائلة لتطوير التعليم العام والجامعي، وتعلن أحاديثُ المسؤولين فيها بشكل مستمر عن أهمية قيم الاعتدال والتسامح والوطنية إلا أن جماعات منظمة من الصحويين والإخوان سعوا لتدمير هذه القيم الثلاثة الضرورية لاستقرار أي مجتمع في العالم. نشروا أفكار التعصب، وأسموا المعتدلين بالمنحرفين، واتهموا شيوخ التسامح بتذويب العقيدة الإسلامية، ونجسوا الوطنية لأنها - كما يعتقدون - مناقضة للأممية وفكرة غربية مستحدثة.

خطاب منغلق مصادم تماماً لخطاب الدولة التي ترتبط بأحسن العلاقات مع قوى العالم. لم تقتصر أضرار هذا الخطاب على الداخل بحجبه ثقافة سعودية أصيلة اتسمت بروح الاعتدال والتعايش السائدة قبل عام 1979، ولكنه أيضاً روج دعاية سلبية يستخدمها خصوم السعودية، وثقب أسود يشفط منجزاتها. ولكن كل هذا بات من الماضي القريب، ومن يتابع نشرات الأخبار حول العالم ومواقع التواصل يتعرف على سعودية جديدة ديناميكية ومنفتحة تؤسس للاعتدال بالعمل لا بالقول. سعودية فتية لا مكان فيها لمشعلي الفتن ومضطهدي المرأة، تمثل في جوهرها امتداداً أصيلاً لثقافة سعودية توهم البعض أنها ماتت ولكنها عادت للحياة بشكل سريع ومدهش بعد أن فك عنها القيود، وأعيد لها أنبوب الأكسجين.

معضلة حكومات كثيرة أن الخطابات وردية حالمة لكن لا ترافقها أي أفعال، على عكس القيادة السعودية الحازمة التي تسبق في مرات الأفعال الأقوال، لذا عندما قال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان "سندمرهم اليوم وفوراً"، لاحظ مراقبو الشأن السعودي أن خطاب التطرف والفتنة قد خنق وضيق عليه رعاته قبل شهور عديدة من تصريحه بهذه الكلمات التاريخية.

مشروع السعودية في حربها على التطرف وتعزيز التسامح بدأ داخلياً وتوسع خارجياً بصور ثقافية وسياسية واضحة. أبرز الصور الثقافية هو افتتاح الملك سلمان بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب مركز "اعتدال" الذي يعد المركز الرئيسي والأهم لمكافحة التطرف، كما أن الشيخ السعودي محمد العيسى، أمين رابطة العالم الإسلامي، زار العديد من الدول الغربية والإسلامية، وألقى العديد من الخطابات التي تعكس سعي السعودية لمحاصرة ثقافة التطرف وتعزيز الفكر المتسامح على أوسع نطاق، كما التقى العيسى في روما ببابا الفاتيكان، وانتشرت لهما صور وهما يتصافحان في رمزية لا تحتاج لتفسير. من الصحيح أن لقاء القيادات الدينية تظل مقابلات بروتوكولية يعشقها الصحافيون وتختفي من الذاكرة سريعاً، ولكن ذلك اللقاء كان مختلفاً بالنظر إلى حجم التغيرات الكبيرة داخل السعودية وخارجها.

والمشروع السعودي للحرب على التطرف وتعزيز ثقافة التسامح كان هو الدافع الرئيسي خلف مقاطعة الدوحة التي تحولت إلى مكب للقيادات الإرهابية، وملتقى لمؤسسي ثقافة العنف والانتحار، وبنك مفتوح لجماعات العنف وميليشيات الدم والموت. وذات الأمر ينطبق على الجانب الإيراني الذي دعم الجماعات الإرهابية الشيعية مثل حزب الله. ولاختصار الصورة وبلا تعقيد، فإن السعودية الجديدة تقود مشروعاً للتعايش والتسامح والتنمية والاستثمار في الحياة والمستقبل، وتسعى لتغيير وجه المنطقة بمشاريع ضخمة مثل "نيوم"، لكنه يتصادم بشكل صريح مع المشروع الإيراني - القطري الداعم لثقافة التعصب والداعم للإرهاب السني والشيعي الذي أدخل المنطقة بالأزمات المتلاحقة، وأفشل دولها، وأنهك مجتمعاتها وأفقدها الأمل. إنها حرب مفتوحة وفاصلة بين الخير والشر. خير منطقة مستقرة اجتماعياً، مزدهرة اقتصادياً، تتعايش فيها الأديان والطوائف بسلام، أو شر العمليات الانتحارية، والدول الفاشلة والمفككة، وموجات المهاجرين الذين يختارون الغرق في المحيطات على البقاء أحياء.

هذه الصورة الشاملة التي توضح بعض ملامح المشروع السعودي الديني والاقتصادي والسياسي، وفي هذا السياق يمكن أن نجيب عن سؤال: لماذا زار الراعي الرياض لأول مرة وفي هذا الوقت تحديداً؟

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.