هل ستطرد الروبوتات الصحافيين من وظائفهم؟

ممدوح المهيني
ممدوح المهيني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

في عقود مضت كان الرجل الواقف في المصعد يضغط أزرار الأدوار لضيوف الفندق، يؤدي وظيفة لا غنى عنها. ولكنها انقرضت بدون أن تترك فراغاً. أجهزة الردود الآلية في الشركات والوزارات زاحمت موظفي السنترال، وتسببت بـ"تفنيش" غالبيتهم. والآن مع تطور الروبوتات الذكية فإن العديد من الوظائف مهددة بالانقراض من سوق العمل بشكل نهائي. طلاب الجامعات مَنْ يعملون في مطاعم "ماكدونالدز" أو "ستاربكس" سيخسرون وظائفهم قريباً، في ظل منافسة غير عادلة مع روبوتات مبرمجة لا تمرض، ولا تأخذ رواتب، وقادرة على لف مئات الهامبروغر وصنع عشرات أكواب القهوة في دقائق معدودة.. الأمر الذي يتجاوز طاقات البشر.

في مجال الزراعة أنهت التقنية وظائف الحراثة والري بوجود آلات تقوم بهذا الدور، وبفاعلية أكبر. في اليابان.. تستخدم الروبوتات لقطف ثمار الفراولة بسرعة فائقة، وعلى مدار اليوم.

كل هذا لم يعد سراً أو خبراً غريباً، لكن هناك مَنْ يجزم بأن الروبوتات ستقتحم قريباً عالم الصحافة وترسل الصحافيين إلى بيوتهم، بعد أن تستولي على مكاتبهم وتحرر الأخبار، وتتصل بالمراسلين وتكتب العناوين.

هل يمكن أن يحدث هذا؟

من المستبعد جداً، وكل التنبؤات عن وظيفة الصحافي مجرد مبالغات أو توقعات خاطئة، ممن لا يعرفون الطبيعة المعقدة للعمل الصحافي.

الصحافي يشتغل بعقله وليس بجسمه، وهناك صحافيون كبار مصابون بإعاقات جسدية كبيرة، ولم يمنعهم ذلك عن كتابة أهم القصص الصحافية وإجراء أهم المقابلات. على عكس مهن عديدة تعتمد على خطوات معروفة يمكن برمجتها خطوة بخطوة، الصحافة مهنة في علم الغيب. غير متوقعة على الإطلاق، ولا تعرف ماذا سيحدث في الثانية القادمة.

كيف لروبوت مبرمج أن يتعامل مع خبر لعملية انتحارية أو انهيار سوق الأسهم؟ كيف يتحقق من الخبر قبل نشره وأن لا يرتكب غلطة ويستبدل صور المجرمين بالضحايا؟! وإذا تكررت هفواته.. كيف يمكن أن تخصم عليه وهو بدون راتب، أو تفصله وهو بدون عقد عمل؟! الروبوتات الصحافية كائنات نبيلة وزاهدة، ولكن بعقول بلهاء. صحافيو الديسك هم مهندسو الصحافة التي نقرأها أو نشاهدها كل يوم. تنهمر عليهم عشرات الأخبار من الوكالات والمراسلين ومواقع التواصل الاجتماعي، كيف يمكن لروبوتات أن تقوم بهذا العمل المضني والذي يحتاج الكثير من التفكير الإبداعي غير الاعتيادي. بإمكان الروبوتات أن تحل مكان بائعي الآيس كريم أو موظفي الاستقبالات أو معلقي السياسة، أو وعاظ البرامج الفضائية، التي لا تحتاج لأي إبداع ولكن ليس مكان الصحافيين.

الصحافيون الذين يجرون مقابلات، يقومون بشكل مستمر بالسؤال التعقيبي على إجابة الضيف، وهذا أمر مستحيل أن يقوم به روبوت، حتى لو درب مئات المرات. منتج نشرات الأخبار يقف على حافة الهاوية حينما يتعامل مع الأحداث المشتعلة على الهواء والمتغيرة لحظة بلحظة. مجرد تخيل أن روبوتاً مثقفاً ومدرباً سيحل محله يدعو للضحك! وحتى لو سلمنا أن الروبوت قد يزيح الصحافي من مكانه، فإن هذا لا يمكن أن يحدث في منطقتنا، حيث تكثر المحاذير وتتغير باستمرار بين يوم وليلة. ستقضي شهرا كاملاً في محاولة شرح التابوهات الثلاثة (السياسة والجنس والدين) لروبوت صحافي مبتدئ.

الصحافة أيضاً وظيفة ذهنية معقدة، على عكس الكثير من الوظائف الأخرى التي تتطلب مجهوداً عضلياً وعطوراً زكية وكلمات تزلف مهذبة. لتكتب قصة صحافية عليك أن تخرج بفكرة خلاقة من المستحيل أن تخرج من بين أكوام الأسلاك في جمجمة الروبوت. عليك أيضاً أن تملك حساً صحافياً في كيفية تناولها. ولكن كيف تغرس هذا الحس الإبداعي في الروح المعدنية لهذا الإنسان الآلي منزوع الضمير؟

عندما يجري الصحافي مقابلة، فإنه يقرأ عن الضيف حتى يشكل خلفية وافية عنه ويعد بعدها الأسئلة. وخلال الحوار تلعب المشاعر دوراً كبيراً. عبوس الضيف أو انشراحه يبعث رسائل للصحافي تساعده بالخروج بأفضل حوار. قد يغرس سكينه في الجرح أكثر حتى يتألم الضيف ويكشف عن أسراره أو يستخدم سرعة البديهة والأسئلة المباغتة حتى يستنطقه. رأينا العديد من المحاورين المبدعين، الذين يجمعون بين شخصية المحقق ولاعب الشطرنج والمصارع والمتملق كلها في واحد. والهدف هو سحب إجابات مهمة من ضيفه أو فريسته ولا بأس بعدها لو نزفت حتى الموت.

يواجه المبتدئون في الصحافة طلبات من ضيوفهم، يطلبون أن يحذفوا مقطعاً أحرجهم أو إجابة تدينهم، ويهرعون لرؤسائهم ينقلون الشكوى ويتعرضون للتوبيخ، لأن هدف الصحافي أن يحرج ويكشف ويلقي بضيفه في العراء بعد أن يجرده من أسلحته لا أن يطبطب على ظهره ويمسح عرق الحرج عن جبينه. ربما الصحافة هي المهنة الوحيدة التي لا تهتم برضا الزبون بل بغضبه. على عكس البنوك مثلا التي تستقبل زبائنها بابتسامات زائفة عند الباب وتأخذ الأثرياء منهم إلى غرف مكيفة خاصة. المقابلات الصحافية السعيدة مثل الوجبات البائتة.

وعلى الرغم من أن صناعة الروبوتات تتطور بسرعة ويحاول المخترعون المبدعون أن يغلفوها بجلد قريب لجلد البشر ومزروع بأسلاك استشعارية، تجعلهم يشعرون بالمرء، حين يلمس ظهورهم ويلتفتون عليه، إلا أن هذا لا يكفي لتصنع منهم كاتب رأي متميزاً. كيف يمكن أن تقنع الروبوت الصحافي أن مقاله تعيس ولا يمكن نشره.

وأخيراً فإن الصحافيين والكُتَّاب هم أكثر من يتعرض للتكفير أو الاتهامات بالعمالة والخيانة، وقد تعرض العديد منهم للاغتيال، لهذا فإن الروبوتات نفسها ستزهد بهذه المهنة التي ستجلب عليهم المشاكل، وسيفضلون عليها الوظائف المسالمة المنتشرة في كل مكان. الصحافة هي المهنة الوحيدة التي يحترفها الفرد، وهو يعلم أنه سيسير في طريق مليء بالمتاعب. لن توجد روبوتات تملك مثل هذا الحب المعقد في قلوبها؟

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط