"أنا أؤيد الترحيل القسري، ولا أرى فيه شيئا غير أخلاقي" هكذا خاطب دافيد بن غوريون اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية عام ١٩٣٨.

وبعد ١٠ سنوات بدأ التطهير العرقي والطرد "الممنهج" وإفراغ القرى من سكانها، من الفلسطينيين على أيدي فرق الهاغانا، وفق خطة صهيونية مفصلة أطلق عليها في حينه الخطة "دالت" بحسب المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابه الذي وضع كتابا مفصلا عن "الجريمة الكبرى" التي ارتكبتها إسرائيل، حمل عنوان "التطهير العرقي في فلسطين" ، على الرغم من أن الترويع والتهجير كان أطلق قبل ذلك وعلى مراحل.

خطة "أخلاقية" من أجل "إسرائيل صافية عرقيا"، تماما ككل الأفكار الجنونية التي أطلقت في الحرب العالمية الثانية إبان الهولوكوست!

فقد شهدت فلسطين تطهيراً ممنهجاً ومدروساً ونهائياً في القرى والأرياف والمناطق الحضرية، حتى إن فرق الهاغاناه وغيرها، زرعت الألغام على دروب السكان خلال عودتهم إلى بيوتهم وأراضيهم.

وإن كان من وصف الآن لتلك العملية، فهي دون أدنى شك بحسب المعايير والقوانين الدولية "جريمة حرب" .

وإن كان الجيل الجديد من الفلسطينيين والعرب، قد نسي، ففي كل أصقاع الأرض فلسطينيون لا زالوا يمسكون بمفتاح ما، لباب ما، لمنزل هناك محاطا بالليمون أو الزيتون، لم يعد قابعا إلا في وجدانهم فقط.

وكأن بفلسطين لعنة، أسقطت عليها من حيث لا تدري أو تدري، نكبات وهزائم، وألم.

هزائم خدرت أجيالا بأكملها، فحين يتواطؤ العالم برمته على أحلامك وحقك، لا بد أن تيأس.

حين تقتلع من بيتك، وحقلك، وتستجدي بعدها أن تحصل فقط على مقتنيات بقيت عند العتبة، لا بد أن تتعب.

حين تبلغ "غطرسة" محتل ذروتها، "فيمنيك" بحاجز يفتحه لك لتدخل وطنك، لا بد أن تغضب حتى ينفجر قلبك ويمرغ كبرياؤك.

حين تضنيك الهزائم لا بد أن تستسلم... وتنسى بعد حين... فتعيش ممسكا بالمفتاح، إلا أنك، وتخفيفا للألم تتناسى البيت. ويصبح بعدها سرابا أضغاث أحلام أو ربما كوابيس... وصدقا لا أحد يحب الكوابيس!

حتى يأتي بعد ١٠٠ عام على وعد بلفور، وعد آخر يقطع جازما بأن "القدس عاصمة إسرائيل"!

أنت المكبل العاجز تقف مصعوقا، تتمتم بكلام غير مفهوم، أشبه بهلوسات: "القدس ليست المقدس، ولا أورشليم، ولا زهرة المدائن، ولا كل القصائد التي نظمت لها، والشعر الذي تغنى بها، أو حفلة "هياط" ومزايدات ممانعة فارغة، ولا عويل ونحيب وبكاء.

"لا يا أيها الرئيس... أخطأت وتغطرست.. هي الضمير والشاهد، وبحر من الدموع، وآلاف القابعين في السجون، هي رمقهم الباقي الذي لا يمكن التفريط به."

قبل سنوات عديدة في الحرب اللبنانية، يوم سال الدم بين لبنان والفلسطينيين، لم أكن بعمر يسمح لي بإدراك ما يحدث، لكنني كنت في بيئة تموضعت بكل وضوح في الطرف الآخر، ضد الفلسطيني "سارق الهوية والأرض". .ولربما، لربما، اتخذت بدوري الموقف نفسه إن تكرر الآن.

فما من شيء أسمى من أرضك.

واليوم أدرك وأعي أن الوقوف مع القدس "أمر أخلاقي" قبل أن يكون أي شيء آخر، إلا أن أحدا لا يمكنه الدفاع عن أرض أو وطن، كما أهل الأرض دون سواهم!

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.