عاجل

البث المباشر

ممدوح المهيني

<p>صحفي سعودي</p>

صحفي سعودي

عودة السينما في السعودية

الفنانون سعوديون والموسيقيون سعوديون والجمهور سعودي ولكن الحفلة تقام خارج السعودية. نفس الشيء مع السينما حيث نرى أفلاماً سعودية تعرض في كان وبرلين وتغيب عن الرياض والدمام. هذا المشهد المحير تكرر لسنوات، ولكنه انتهى أخيراً بعدما أعادت الحكومة السعودية الفتيّة الأمور لطبيعتها ونشهد حالياً عودة سعودية فنية سعيدة وسريعة.

هذا المشهد المتناقض لم تكن له علاقة عملياً بالمجتمع السعودي الذي يدّعي البعض أنه محارب ومعارض لهذه الفنون والاحتفالات ويروج لهذه الكذبة باستمرار من أجل وضعه في قالب وعزله عن البشر وكأنه مجتمع لا يتذوق الإبداع ولا يملك الحساسية الجمالية ومقطوع من تراثه الفني الفلكلوري. كل هذه تصورات ساذجة والدليل القريب هو إقبال هذا الجمهور على هذه النشاطات الفنية خارج السعودية سابقاً وداخلها هذه الأيام. إذا كان هذا الجمهور عدواً للفنون لماذا إذن يذهب لها ويصرف من ماله لحضورها؟ ولماذا اكتظت قاعات حفلات محمد عبده وياني؟

الحقيقة واضحة وهي أن الفن لم يغب داخل السعودية وإن لم يجد الأجواء المناسبة والمتاحة لممارسته بسبب المحاذير والمحرمات التي أقصته من المشهد بشكل كامل. وبمجرد أن شطبت هذه المحاذير عادت الحياة الفنية إلى سابق عهدها مع تنظيمات وترتيبات جديدة الهدف منها تحويل الفن لصناعة فنية واقتصادية متكاملة وليس لنشاطات هواة. وتغييب الفن بُرر دينياً ولكنه لم يكن إلا حيلة من متطرفين وضعوا الأخلاق الكريمة في تعارض مباشر مع الفنون على الرغم أن الفنون الراقية تهذّب من الحس وتعلي القيمة الجمالية والحضارية في الحياة وليس العكس.

وصحيح من يقولون إن صعود المجتمعات حضارياً مرتبط بصعودها فنياً وذوقياً ومن النادر أن نشهد مجتمعات تتخبط في الجهل وتنتج بذات الوقت أبرع الأعمال الفنية أو الأدبية. ونرى كيف أن العقول المغلقة تتعامل مع الفنانين المبدعين على أنهم ممسوسون ومذنبون وهم في الواقع من يسهمون في تشكيل الهوية الوطنية للشعوب ويثرون المخيلة الجمالية. لهذا يخلّد المصريون أم كلثوم واللبنانيون فيروز والسعوديون محمد عبده. ولكن أيضا الحرب على الفنون لها أسباب منطقية لأن الفن بطبيعته متحرر ومعادٍ للإيديولوجيات المنغلقة ولهذا فشلت كل المحاولات لأسلمته أو توظيفه لخدمة أحزاب سياسية. متى آخر مرة سمعت بالفن أو الأدب الإسلامي أو الملتزم؟ كلها فنون ولدت ميتة والجثث لا تعود للحياة ولكن تتحلل.

ومؤخرا فقط صدر قرار عودة صالات السينما في السعودية بعد أن أغلقت منذ عقود. ولكل من عاش في السعودية حتى لفترة محدودة يدرك أن هناك ثقافة سينمائية نمت بشكل سريع في العقد الأخير وأنتجت ليس فقط جمهوراً عريضاً عاشقاً للسينما ويتابع جديد استديوهات الإنتاج العملاقة في هوليوود، ولكن أيضا حركة فنية ونجوماً ومخرجين وكرنفالات ولكن بلا قاعات لعرض الأفلام الأمر الذي تم تصحيحه بهذا القرار المهم.

قصة المجتمع السعودي مع الفنون هي قصة ككل المجتمعات البشرية الأخرى، حيث يملك تراثاً فنياً وفلكلورياً متنوعاً وضارباً في التاريخ تتنوع فيه الفنون والرقصات على امتداد المساحة الجغرافية السعودية الشاسعة. الفنون تشكل جزءاً من الهوية الاجتماعية لأي مجتمع، والشعوب تعشق وتخلّد كبار فنانيها لأنهم المعبرون على مر العصور عن وجدانها الجمعي بشكل لا يفعله غيرهم. لذا الحرب على الفن هي معركة خاسرة لأن المحارب له يعادي جزءاً طبيعياً وأصيلاً في طبيعة الإنسان والمجتمعات. القوانين مهما كانت قاسية ومحاربة للفن لن تستطيع أن تلغيه وتقضي عليه ببساطة وسيعود مجدداً للواجهة.

قرار عودة السينما ليس معزولاً ولكن يأتي في سياق التحولات التاريخية داخل السعودية التي حدثت خلال فترة قصيرة لم نكن نتخيلها قبل أشهر قليلة.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات