«حدث ذات مرة في الغرب» لسيرجيو ليوني: رعاة بقر «مسيّسون»

ابراهيم العريس

نشر في: آخر تحديث:

حتى وإن كان عدد كبير من أساطين السينما الشعبية وبعض كبار السينما النخبوية في هوليوود قد حققوا بين الحين والآخر أفلاماً تتمحور حول رعاة البقر، صانعي أساطير الغرب الأميركي وفولكلوراً ندر أن حقق فولكلور آخر نجاحاً يضاهي نجاحه، فإن النوع ظل ثانويّ الأهمية من ناحية فكرية ومهمشاً بالنسبة إلى المثقفين. ولقد احتاج الأمر إلى تحف حققها جون فورد ونيكولاس راي وجورج ستيفنس وأمثالهم كي يعطى شيء من الاعتبار لبعض هذا النوع. أما التكريس الحقيقي له فلن يكون إلا على أيدي نقاد الخمسينات الفرنسيين، ولا سيما من أصحاب أبرز الأقلام في «دفاتر السينما» و «بوزيتيف» كي يخرج النوع كله من الهامشية الفكرية ويبتعد منه ما جوبه به قديماً من احتقار. غير أن النوع ما لبث أن تراجع شأنه، نوعياً وكمياً، في سنوات السبعين ليقتصر إنتاجه على تحف سينمائية نادرة أتت مسيّسة تعيد الى الهنود الحمر إعتبارهم وتفضح المذابح التي ارتكبها البيض في حق هؤلاء. في اختصار غاب النوع بأشكاله البطولية السابقة، ليحلّ مكانه نوع مسيّس، بل مؤدلج حيّر غلاة المعجبين وجعلهم يعلنون الحداد على سينما داعبت مخيلات طفواتهم وأحلام شبابهم. وكاد النوع أن يندثر لولا أن ظهر من حيث لا يدري أحد، مخرج كان مجهولاً تماماً في إيطاليا اسمه سيرجيو ليوني، كان يشتغل في الوقت ذاته على أفلام رعاة بقر أميركية سُمّيت لفرط احتقار الناس لها «وسترن سباغيتي»، لا سيما حين تجسدت عبر «ثلاثية» أولى سميت ثلاثية الدولار تألفت من ثلاثة أفلام عوملت يومها باستخفاف، لكنها تعتبر اليوم من أساطير السينما العالمية: «من أجل حفنة من الدولارات»، «من أجل دولارات إضافية» وأخيراً «الصالح والمتوحش واللص».

> إذاً بعد استقبال يحمل مقداراً من الاحتقار أول الأمر، استقبل المتفرجون في شتى أنحاء العالم أفلام رعاة البقر المزيفة تلك، إذ صُوّرت في إسبانيا من قبل تقنيين إيطاليين حتى وإن اختير لبطولتها ممثلون أميركيون كان على رأسهم في تلك الثلاثية ممثل مغمور سرعان ما عمّت شهرته العالم ولا يزال نجما كبيراً حتى اليوم بعد مرور نصف قرن، وإن كان اليوم لامعاً كمخرج أصيل أكثر من لمعانه كممثل: كلينت إيستوود. لقد حققت تلك الثلاثية من النجاح ما فاق كل التوقعات وأعاد الاعتبار إلى النوع. غير أن المستفيد الأكبر من العملية برمتها كان المخرج نفسه، سيرجيو ليوني الذي سرعان ما اعتبر من كبار السينمائيين في العالم وراحت تؤلَّف عنه الكتب وتُكتب الأطروحات مع أن رصيده كله لم يتجاوز في نهاية الأمر سبعة أفلام من ضمنها «ثلاثية الدولار»، إذ إنه كان حقق قبل ذلك فيلماً تاريخياً جماهيرياً لم يلتفت إليه النقد بصورة جدية، ثم قُيّض له بعد «الدولار» أن يحقق ثلاثة أفلام أخرى فقط ضمتها ثلاثية ثانية وأخيرة حملت عنواناً إجمالياً هو «حدث ذات مرة»: ولقد حملت الأفلام ذاتها عناوين «حدث ذات مرة في الغرب»، «حدث ذات مرة في الثورة» وأخيراً رائعته «حدث ذات مرة في أميركا» الذي يبقى أجمل أفلامه وأقواها.

> في هذه الثلاثية الثانية كان ليوني قد فكّ ارتباطه بشريك نجاحاته الأولى إيستوود، حتى وإن كان أول أفلام الثلاثية «حدث ذات مرة في الغرب» قد اعتبر امتدادا للثلاثية الأولى. فهو هذه المرة استعان بنجم أميركي كبير هو هنري فوندا معطياً إياه دوراً يتناقض مع صورته المعهودة في نوع من التحدي للكليشيات الهوليوودية سيقول ليوني إنه كان مقصوداً. بل كان مقصوداً من قبله أيضاً ذلك الإفراط في التسييس الذي أسبغه على موضوع تناول من خلاله المؤامرات والصفقات والصراعات السياسية التي افترض أنها تدور حول إقامة خط سكة حديد رئيسية في أميركا النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أي المرحلة ذاتها التي شهدت ولادة أساطير رعاة البقر. والحقيقة أنه كان من الواضح هنا أن ليوني كان يتعـــمد خلال النصف الثاني من سنوات السبعين، (أي الحقبـــة التي كانت فيها الشبيبة الأميركية وحتى السينما الهوليوودية الجديدة التي تفضلها الشبيبة الأميركية، وشبيبة العالم كله في ركابها، الأفلام ذات النغمـــة السيــاسية المتمردة والفاضحة للممارسات السلطوية)، كان يتعمد إضفاء طابع واضح التسيّس على موضوعه الذي وازن فيه بدقة بين العناصر التي غالــــباً ما بدت مكوّنة لسينماه: المرح، التشويق والموت. وكل هذا على إيقاع تلك الموسيقى الرائعة التي كان قد اعتاد طلبها من موسيقيّه المفضل إينيو موريكوني الذي وصل في ركابه إلى أعلى درجات النجاح.

> يدور موضوع «حدث ذات مرة في الغرب» من حول بناء خط السكة الحديد إذا، ولكن في ركاب أربعة أشخاص مختلفي المشارب والأهواء والغايات ولكن يجمع بينهم عنف يمارسونه وغضب لا يتوقف. أولهم لا اسم له، وليس له أي ارتباط إلا بآلة هامونيكا يعزف عليها وحيداً معبراً من خلال عزفه العشوائي عن علاقته الكأداء بمجتمع يلفظه. والثاني رجل لا يرحم له اسم يعرف به هو فرانك وغاية يعلنها هي جمع أكبر قدر ممكن من المال، ووسيلة هي مهنة يتقنها بل يبالغ في إتقانها: مهنة القتل. والقتل هو القاسم المشارك بينه وبين الثالث المسمّى «شايين». ولكن إذا كان فرانك يقتل ويفكر، فإن شايين يقتل دون أن يفكر ولسوف نرى لاحقاً في الفيلم كيف سيدفع غالياً ثمن ذلك!

> أما الشخص الرابع في هذه العصابة فامرأة وليس رجلاً هذه المرة. امرأة في غاية الجمال تدعى جيل. لها أنوثة طاغية لكن حكايتها لا تختلف عن حكاية رفاقها الذكور: إنها تحمل عنف الغرب والدهاء المطلوب للبقاء فيه. تشاطر الرجال حياتهم وماضيهم وتواجه الصعاب ذاتها التي يواجهونها ولا تختلف مهمتها عن مهمتهم: إرغام كلّ الآخرين، على الرضوخ لما تريد والعبور بأمان بقطع الصلب اللازمة لمد السكة الحديد، رغم انف العصابات الأخرى المتمردة ولصوصها. والطريف أن جيل هي زعيمة الرجال هنا، ما يذكرنا طبعاً بالمدعوة «فيينا» في فيلم «جوني غيتار» لنيكولاس راي. وما فيلم سيرجيو ليوني الذي نحن في صدده سوى حكاية ذلك الرباعي الجهنمي الذي يعرف منذ البداية أن ثمة سلطة ومال في هذا المكان وأن هذين ينتظران القوي الذي يمكنه الحصول عليهما معاً. فهل نحن أمام شيء آخر في هذا الفيلم الذي يتخذ شكل المغامرة الذكورية للوهلة الأولى، وشكل أفلام العصابات في واجهته، هل نحن أمام شيء آخر سوى أمثولة عن المال والسلطة بوصفهما عصب السياسة، كل سياسة وغايتها الأولى وموضوعها الأثير؟

> في الحقيقة أنه لئن كان متفرجو هذا الفيلم قد تاهوا عن تيمته الأساسية هذه إذ اختبأت خلف الحكايات العنيفة والرؤوس المتطايرة والعبارات المبتسرة والموسيقى الموحية واللقطات المكبرة للنظرات الصارمة، القادرة على القتل بقدر ما تفعل ألوف الرصاصات التي تطيش في كل لحظة من لحظات الفيلم ويحدث لها كثيراً أن تصيب من دون أن تعبأ بأن يكون من تصيبهم مذنبين أو أبرياء، فإن النقد الجاد الذي تناول الفيلم، وضّح ومنذ البداية انه أمام فيلم سياسي بامتياز، بل فيلم يسير في مضمونه السياسي مسيرة «العراب» وغيره من تلك الأفلام الكبرى التي كان لا بد لها من أن تساير العصر وترسم مئات الصور لولادة أميركا المعاصرة، وربما كل ذلك في انتظار فيلم «عصابات نيويورك» الذي سيريد منه مارتن سكورسيزي، بعد فرانسيس فورد كوبولا «العراب» وسيرجيو ليوني «حدث ذات يوم...» أن يقول كيف أن «أميركا ولدت في الشارع» - الشعار الذي طُبع واضحاً على ملصقات «عصابات نيويورك» -. وهو أمر عاد ليوني وقاله بطريقته مرتين، مرة في شكل كناية في فيلمه عن «الثورة» الذي تدور أحداثه في المكسيك حين كانت أراضيها ممتزجة بالأراضي الأميركية، ومرة أخرى في شكل أمثولة في «حدث ذات مرة في أميركا» الذي حدثنا عبر سيناريو مدهش في تركيبته الزمنية، عن طفولة وصبا وشباب وكهولة اثنين من رجال العصابات النيويوركية، ما جعل تلك الثلاثية الليونية الثانية عملاً كبيراً واستثنائياً. وهنا، إذ تساءل النقاد الذين كانوا قد اعتادوا على حسبان سيرجيو ليوني واحداً من كبار السينمائيين المجددين وأميركياً أكثر من أعتى الأميركيين، عما يمكن أن يكون حاملاً للسينما ولأميركا بعد تلك الثلاثية، حسم الرجل الأمر بمفارقته الحياة في وقت كان هو يقول إن ما تزال لديه أشياء كثيرة يريد قولها من خلال سينما، عن أميركا وعن السينما والسلطة والسياسة.

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.