برج الحرية في إيران

سوسن مهنا

نشر في: آخر تحديث:

خيّبت "الثورة الإسلامية" في إيران آمال الشعب الإيراني بعد 39 سنة من الحكم، فهي أغدقت الوعود بـ"التغيير"، ولكن النظام تحول شيئاً فشيئاً إلى نظام ديكتاتوري فاسد، لا يختلف عن النظام السابق الذي خلَفته الثورة أي نظام الشاه. ولا تأتي التظاهرات والاحتجاجات الإيرانية من عبث حتى لو حاول المشككون والمدافعون عن النظام الحاكم أن يقللوا من شأنها، ويستطيع نظام الملالي أن يلقي التهم يميناً وشمالاً ككل الأنظمة الديكتاتورية التي تتذرع بنظرية المؤامرة في كل مرة تواجه عجزاً عن حل أمورها مع شعوبها، ولكن الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تعصف بالنظام الحاكم ولن يستطيع أن يتجنبها.
يقف برج الحرية أو برج آزادي في وسط ساحة طهران، هذا الصرح الذي شيد عام 1971 ليرمز إلى الحداثة، متفرجاً على عناصر النظام يزرعون الساحات مقابر ومحولين أجواء العاصمة الإيرانية إلى أجواء موت وكآبة من مقبرة "بهجت الزهراء" إلى "ضريح الخميني"، لا يوجد بلد في العالم يمجد الموت كما في إيران، شعارات الموت "الموت لأميركا" و"الموت لإسرائيل" والموت لكل من يعادي إيران تخرج صادحة من الحناجر عقب كل صلاة جمعة، إذ إن هذا النظام وبعد الحرب العراقية الإيرانية حوّل الساحات العامة إلى مقابر جماعية ومراكز لتشريف ضحايا الحرب، وأجبر الناس على حضور صلوات الجمعة بموجب القانون، ومع أن إيران بلد إسلامي، أصبح من يلبي حضور صلوات الجمعة لا يزيدون عن ثلاثة بالمئة من السكان، وهؤلاء يأتون خوفا من فقدانهم لوظائفهم، أو فقدان الحظوة في الجامعات بالنسبة للطلاب، والكثير منهم يعتبر أن صلاة الجمعة فقدت جوهرها الديني وأصبحت منتدى للنظام من أجل تحفيز مناصريه وإعادة تأكيد ايديولوجيته، ذلك أن الجيل الجديد من الشعب الإيراني بدأ "يتخلص من الوهم" لقائد الثورة الإيرانية آية الله الخميني، حسب تعبير "ماكس فيبر" عالم الاجتماع الذي فسر الدينامية التاريخية من منظور الكاريزما والروتينية و"سيادة الرجل الكاريزمي"، كاريزما الساعة الأولى (شعلة الحماس) بدأت تخبو أو هي انطفأت بالفعل، لذا يحاول من خلف القائد الأول الخميني أي علي خامنئي أن يسد الفراغ الذي خلّفه القائد الأول ولكنه يعجز لأنه لا يملك الكاريزما القيادية "الخمينية"، فقام بالاتكال على القمع الذي يمارسه الجناح العسكري أي الحرس الثوري الإيراني (حرس الباسداران).
لا يستطيع الإنسان مهما كان مؤمنا بالقضية أية قضية أن يعيش وهو يشعر بأنه مراقب على طريقة الأخ الأكبر، حيث تخضع الجامعات لرقابة وحراسة مشددة عن كثب من جهاز استخبارات وعناصر الحرس الثوري أو عبر تجنيد شبكة من الطلاب ليتجسسوا على زملائهم، وهذا ما يشكل عاملاً من الضغط النفسي الرهيب، كما يعيش المواطن الإيراني تحت ضغط "الاقتصاد المقاوم،" حيث وحسب عضو مجلس تشخيص مصلحة النظام الإيراني، محمد رضا باهنر، فإن عدد المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر وصل إلى 18 مليون شخص من أصل 80 مليون نسمة، أي ما يقارب ربع السكان، عوامل دفعت إلى ارتفاع نسبة متعاطي المخدرات، وحسب منظمة مكافحة المخدرات الإيرانية فإن 2.8 مليون مواطن أي حوالي 3.5 في المئة من السكان يتعاطون المخدرات بانتظام، وهذه نسبة عالية بالنسبة لبلد إسلامي محافظ.
تحول النظام الإيراني وبعد حربه مع العراق إلى دولة انتقامية هجومية خوفاً من حرب محتملة عليه، أما مع جيرانه عن طريق التوسع أو عن طريق شن الحروب، أو عن طريق زرع أو دعم ميليشيات وتيارات شيعية متشددة متطرفة دينياً خارج أراضيه على نسق حزب الله اللبناني ولواء فاطميون الأفغاني والحوثيون في اليمن والحشد الشعبي العراقي، ولكن هذا ما كلفه كثيراً مادياً ومعنوياً، وكان كله على حساب بنيانه وقوته الداخلية، إذ رويداً رويداً فقد التواصل مع مواطنيه وفقد المواطن الثقة والأمل "التغييري" بهذا النظام، إذ تكشف للشعب الإيراني أن هذه الثورة لم تفِ بأي من وعودها، وأنها لم تكن سوى حركة دينية إقصائية وإزاحة كل من يعارضها ومن ساهم في نجاحها داخليا، وأن مزراب الذهب الإيراني يتدفق إلى الخارج ليغذي حروب النظام العبثية الخارجية، وهذا ما سمعناه في الهتافات المنددة في التظاهرات "انسحبوا من سوريا وفكروا بنا" و"لا للبنان ولا لغزة.. نعم لإيران" و"الموت لحزب الله".
قد يكون الشعب الإيراني بدأ ثورته الاجتماعية ولكن هذه الثورة لم تبدأ الآن بل كانت تتحضر في النفوس لتنفجر اليوم، لكل شعب ساعة بيولوجية خاصة به، وهي التي تقرر موعد استيقاظه، والشعب الإيراني قد يكون اختار الآن أن يخرج إلى الشارع، إذ لا يهم الإيراني فتوحات النظام الخارجية وهلاله وبدره الذي بشر به قيس الخزعلي من على الحدود اللبنانية، وفي طهران العاصمة هناك من يعرض أطفاله وأعضاء جسده للبيع.
"الثورة الإيرانية" ذات طابع اقتصادي اجتماعي سياسي، ومع تمدد رقعة التظاهرات وتوسعها لتشمل كل محافظاتها وأكثر من 70 مدينة من تبريز إلى الأهواز، مشهد وكرمان، علماً أن ما يصل إلى الإعلام هو القليل، حيث معلوم التضييق الذي يمارسه النظام على وسائل التواصل والإنترنت والإعلام، يتبين أن النظام يخسر يوميا في تعامله مع مواطنيه، وهو يعلم ذلك، ذلك أن الجيل الشاب الإيراني الذي يتحرك للحاق بركب التطور يرى نفسه متأخرا أشواطا عن المجتمع العالمي، وهو يشعر بالإحراج من العيش بهذا التخلف في بلد ما زال يعيد دورة الحياة إلى القرون الوسطى، من هنا تأتي مطالبة الشعب الإيراني "بالاستفتاء" وبتغيير النظام، يكفي ما صدرته الثورة الإيرانية إلى الخارج ونموذجها حزب الله، حيث طالعنا أمينه العام السيد حسن نصر الله في مقابلته الأخيرة يقول إنه لا يستطيع أن يرشح "أخت" إلى الانتخابات حسب تعبيره طبعا، لأنها لا تستطيع أن تقوم بالواجبات الاجتماعية من تقديم عزاء أو تهنئة أو ملاحقة معاملات، ولكن على المجتمع الدولي أن يترك الشعب الإيراني وشأنه، وأن لا يتدخل كما يفعل رئيس الولايات المتحدة الآن، إذ لا يفعل سوى التأثير السلبي على مجريات الأحداث، ودفع النظام الإيراني إلى الاعتماد على هذا الخطاب كتهمة تلصق بهذا التحرك والقول بأن قوى الاستكبار هي وراء التظاهرات.
قد يكون من المناسب أن أعيد ما كتبته منذ شهرين عقب استفتاء كردستان أي منذ أكثر من شهرين: "مرة جديدة تريد إيران أن تخوض حروبا على غير أراضيها، لا يهمها إن قامت حرب وإن سقطت أرواح طالما الدماء هي دماء عربية وكردية، المهم جشعها ومكاسبها طالما الحرب بعيدة عن ديارها، تظن أن الحروب والانقسامات لن تطرق أبوابها، هذه المرة قد تواجه ثورة داخلية بدأت مع ثورة أكراد كردستان".
هذه الثورة مستمرة، وقد يكون النظام ما زال قويا ويستطيع أن يقمع المتظاهرين بالقوة وهو يملك وسائله للقمع، ولكن المهم أنه بات يعلم أن بنيانه تخلخل ولن يستطيع أن يقف شامخا لأن الأرض تحته تزلزلت، وعقدة الخوف انكسرت لأن الشعب يطالب بـ"خبز عمل حرية" قد حدد معالم طريقه وهو بذلك عرف معنى الصرح المزروع في وسط ساحة الحرية في طهران، هذا الصرح الذي يرسم الطريق الذي ينتظر البلد منذ زمن.. الحرية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.