عاجل

البث المباشر

ممدوح المهيني

<p>صحفي سعودي</p>

صحفي سعودي

الدوحة زارعة ألغام التطرف

أكبر لغم زُرِع في الثقافة العربية هو لغم التطرف، لأنه لم ينزع منذ البداية من خلال ترسيخ روح التسامح والتعايش بين أفراد المجتمع وتعزيز العقل النقدي غير التسليمي في النظام التعليمي. وهذا اللغم ظل كامناً حتى انفجر بعنف في عام1967 بعد هزيمة الأيام الستة.

يُعِدُّ المؤرخون أن تاريخ الهزيمة هو بداية انبعاث روح الثقافة المتطرفة، التي كمنت في المرحلة المنفتحة الليبرالية في النصف الأول من القرن الماضي. التطرف عاد هذه المرة بروح جديدة، مستعيراً بعض النظريات السياسة، ومعتمداً على التقنية الحديثة بأدواتها الأكثر تدميرية. في تلك المرحلة ازدهرت التنظيمات الإرهابية وتيارات الإسلام السياسي والجماعات المتشددة على مختلف فروعها. بسبب هزيمة المشروع القومي حينها قدمت هذه الجماعات نفسها كبديل مناسب للحل من خلال الالتفات للماضي والعودة لعصور الظلام ومحاكم التفتيش، حتى لو كان بتفخيخ الأجساد وقطع الرقاب. صُوِّرت الهزيمة بأنها عقاب إلهي، وهم من بيدهم الحل لكل مشاكل الدينا والآخرة.

لم تستطع هذه التنظيمات الإرهابية أن تجد لها مكاناً أمام الحكومات، التي هزمتها ولاحقتها وسجنت قياداتها، فتشرذمت وشكلت لها تجمعات في الدول الفاشلة في مناطق خارج سيطرة الحكومة الضعيفة، مثل: السودان واليمن وأفغانستان. ولكن إذا كانت التنظيمات المتطرفة فشلت في هزيمة الدول، فإنها نجحت فكرياً من خلال نشر تعاليمها وأفكارها المتطرفة وزرعها في عقول الملايين. وقد شهدنا كيف سيطرت جماعة الإخوان المسلمين على الأنظمة التعليمية في بلدان عربية عدة، بعيدة فكرياً واجتماعياً عن ثقافة الجماعات الحركية وتنظيماتها السرية.

حدث هذا الخطأ المتعمد أحياناً، ولكن الثقافة كلها تسممت والمؤشرات على ذلك كثيرة. تراجعت قيمة العلم الحقيقي الخاضع للتجربة والبرهان، وتم الترويج لأفاقين تحت شعار علماء الإعجاز العلمي، في عملية دروشة واسعة واستقالة للعقول المفكرة. تم الاشتباه بالمبدعين من أدباء وشعراء وفنانين ومفكرين، وتم استبدالهم بتشكيلة متنوعة من أقسى المتشددين وأكثرهم دموية، وحتى أسخف الوعاظ المهرجين وأكثرهم كاريكاتورية. باتت سوق التعصب مفتوحة، ومع دخول الإعلام الفضائي أصبحت الأفكار المتطرفة أكثر قدرة على الانتشار والتأثير، خصوصاً في غياب أفكار معتدلة ومستنيرة، حُورِب أصحابها وكُفِّروا ووُصِفوا بالهرطقة والزندقة، وقُتِل بعضهم مثل فرج فودة، الذي اغتيل برصاصتين أمام مكتبه.

في ظل سيطرة ثقافة متعصبة على العقول واجهت الحكومات مآزق متكررة عطلتْ حركتَها، بحيث بات عليها الصدامُ مع أي إعلان لمشاريع تحديثية ضرورية. كل خطوة مدنية تُواجَه بممانعات من المتطرفين المستعدين للتحريض والتأجيج وإلهاب عواطف الناس الذين قاموا بتشكيل عقولهم. في مرات كثيرة تراجعت الحكومات أمام ضغط المتطرفين وهادنت، وفي أحيان تراجعت وفي المحصلة النهائية عُرقِلتْ حركتُها وتطورُها. وبسبب هذا أيضا تمَّ التركيز على تطوير آلات وأجهزة أو استقدامها وليس تطوير العقول، لذا تُرِكت ثقافة التطرف بدون أن تُنْبَش وتُنْقَد وتُسْتَبدل.

وبسبب كمية التطرف الذي لم يمس وجد الإرهاب التربة الخصبة في النمو والانتعاش حتى بين المراهقين، وتحولت المجتمعات إلى برك أسماك هائلة تصيد منها التنظيمات الإرهابية المجندين بدون عناء. رأينا ذلك في أماكن كثيرة من قندهار حتى الموصل. كل ما عليهم هو أن يدخلوا أيديهم ويأخذوا أكبر كمية منهم، لأنهم يسبحون بماء البرك المسممة ذاته. ولهذا تقوم هذا التنظيمات بسهولة بالتجنيد حتى عن طريق تويتر والواتساب وبمحادثات خاصة لا تستغرق وقتاً طويلاً. التطرف تسبب بالعزلة الشعورية والتراجع الفكري والحضاري في الوقت الذي تقدمت فيه الدول الغربية وأميركا مراحل للأمام، حتى بتنا نعيش كأننا في عالمَيْن منفصلَيْن.

وبسبب هذا الافتراق الشاسع حدث الاصطدام الذي تجسد بعدم القدرة على الاندماج في الثقافة الغربية، بسبب التعارض الجذري في القيم بين عقلية الفرد والجماعة ومن هنا رأينا شباباً يولدون في الغرب، لكنهم لا ينتمون له وينجسونه ويعودون بعد ذلك للانتقام منه بتفجير أسواقه ومطاراته، والجهادي جون فقط مثال لحالات كثيرة مشابهة تعاملت بالكمامات والقفازات مع الغرب، لأنه معزول عنه عقلياً وفكرياً، بسبب ميكروبات العنف والتطرف التي سيطرت على عقله.

هذه قراءة سريعة ومختصرة لمسيرة التطرف خلال العقود الأخيرة، التي أوصلتنا إلى هذه النقطة الحاسمة. لو عدنا للتاريخ وغيَّرنا فيه قليلاً وافترضنا أننا فككنا ألغام التطرف منذ البداية بدلاً من تركها تنتشر في الجسد حتى سرطنته. لو حدث ذلك، فمن المرجح أننا سنعيش في عالم مختلف، ونكون قد أنتجنا مجتمعات متعايشة ومتسامحة، تنظر للمستقبل وليس الماضي وتخنق المرضى المتطرفين ولا تحولهم لنجوم، رغم أنهم يرسلون أولادهم إلى حتفهم. نحن ندفع ثمن تلك الغلطة ولكن هذه ليست نهاية القصة، بل إننا نعيش هذه الأيام ولأول مرة منذ عقود فرصة تفكيك هذه الألغام وتغيير المسار بشكل نهائي.

تقوم السعودية بحرب حقيقية على التطرف داخلياً، بحيث ضَعُفَت كثيراً أصوات المتشددين، وخارجياً عبر ملاحقة وسحق الجماعات الإرهابية والقضاء على خلاياها المنتشرة. عندما قال ولي العهد الأمير محمد بن سلمان كلمته التاريخية سندمر التطرف الآن وفوراً كان المراقبون للشأن السعودي يتابعون حتى قبل كلمته الخطوات المهمة والشجاعة التي اتخذتها الدولة، لتعزيز ثقافة التسامح والتعايش والاعتدال وتدمير الأصوات المحرضة ودعاة الفوضى. وشهدنا النتائج سريعاً. أسماء المتطرفين الذين كانوا نجوماً يتابعهم الملايين باتوا نجوماً من ورق. تلاشى دورهم واختفى تأثيرهم بعد أن جففت الثقافة التي يقتاتون منها. الإمارات تحارب التطرف ومطاراتها لا تستقبل دعاة التطرف والعنف، وكذلك الأمر في مصر.

لأول مرة تتشكل جبهة قوية تسعى لتفكيك التطرف والإرهاب داخلياً وخارجياً، وتسعى لطي هذه الصفحة والدخول في العصر الجديد الذي وقفنا طويلاً على بابه. ولكن من غير المنطقي أن تقوم هذه الدول بتفكيك الألغام، في الوقت الذي تقوم فيه قطر بزرعها على رقعة واسعة، من خلال دعم الجماعات المتطرفة والتنظيمات المسلحة والأسماء المحرضة. الدوحة هي زارعة ألغام التطرف والإرهاب الأولى، وقرار المقاطعة هو بالفعل قرار تاريخي، لأنه سيقضي على أصل المشكلة ويدخلنا مرحلة حضارية جديدة. وبدون القضاء على هذه المشكلة وتفكيك ألغامها سنعيش دورة التطرف ونعيد التاريخ من جديد، وكأننا نرتكب الغلطة نفسها ونسير مع ذات الطريق الوعر والصخري مرة أخرى.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات