عاجل

البث المباشر

"رجل الدولة العجوز" لإليوت: الماضي الذي لا يريد أن يمضي

على رغم سمعته الباهرة بكونه كاتباً مسرحياً من كبار القرن العشرين إلى جانب كونه ناقداً، ثم، في المقام الأول بالنسبة إلى كثر، شاعراً، فإن تي. إس. إليوت لم يكتب في مساره الأدبي الطويل زمنياً سوى خمس مسرحيات ستكون «رجل الدولة العجوز» أقلها شهرة. لكنها في الوقت ذاته تعتبر وصيته، ليس المسرحية أو الأدبية بالتحديد، بل حتى الأخلاقية وربما السياسية أيضاً، على قلة اهتمامه بالسياسة. وكانت هذه المسرحية خامسة أعماله للخشبة وآخرها على أي حال حيث أنه صمت من بعدها مسرحيا، وربما يعود هذا إلى كونها لم تحقق النجاح المنشود في وقت (النصف الثاني من خمسينات القرن العشرين)، كانت الكتابة المسرحية قد تغيّرت كثيراً بل ثُوّرت على أيدي مسرحيين بدوا أكثر اهتماماً من إليوت بالحداثة والأشكال الجديدة وضروب الواقعية والغضب. فبعد كل شيء، كتب إليوت «رجل الدولة العجوز» كما كانت تُكتب المسرحيات الكلاسيكية في القرن التاسع عشر.

تدور المسرحية من حول رجل سياسة تقاعد لتوه بسبب أوضاعه الصحية، هو اللورد كلافرتون الذي قرر أن يعيش بقية أيامه في دعة تنسيه السياسة وصخبها، محاطا بابنته مونيكا المرتبطة بشاب من سراة القوم (تشارلز) وابنه مايكل الذي لا يبدو واضحا عليه كيف يريد أن يوجه حياته. إذاً لا يشكل الولدان أي معضلة للورد. ولكن إذا كان قد ترك السياسة وارتاح منها، هل سيكون في إمكانه أن يرتاح من ماضيه؟

إن هذه هي المعضلة الجديدة التي يتعين على اللورد كلافرتون أن يحلها أو يتعايش معها اليوم. ذلك انه، في عز سكونه وراحته يجد نفسه فجأة وعلى غير موعد، يجابه ماضيه: وهذا الماضي يمثله هنا شخصان قصداه بشكل غير متوقع ليضعاه أمام المعضلة الجديدة التي سيبدو واضحاً أن لا حلّ لها إلا بالموت، حتى وإن كنا لن نعايش موت اللورد في نهاية المسرحية، بل مؤشّراته. فمن هما هذان الشخصان؟ على رغم أن المحيطين باللورد سيعتقدون أن غوميز والسيدة كارغهيل، الآتيين من ماضي اللورد، عادا إليه من ذلك الزمن السحيق ليبتزّاه ماليا إذ يذكّره كل واحد منهما بما كان قد أساء به إليهما، كلا على حدة متسبباً بذلك في تدمير حياتهما. على رغم هذا الاعتقاد الذي سوف يبدو منطقياً أول الأمر، سوف نكتشف بسرعة أنه غير صحيح. فكل من غوميس الذي سيروي كيف «دمّره» اللورد حين كان شاباً في الكلية وتخلى عنه دون وازع من ضمير، والسيدة كاغهيل التي كانت حبيبة اللورد في شبابه، لكنها باعت نفسها بالمال تحت ضغط والد اللورد الذي لم يرد لابنه أن تكون امرأته، كل منهما عاد ونجح في حياته بشكل يغنيه، مالا ومكانة، عن أي مطلب يوجهه للورد. فماذا يريدان؟ ببساطة أن يوقظا اللورد على ما فعل. على تلك الدناءات التي اقترفها في ماضيه. على ذلك الماضي الذي مهما نام وأغفى لا بد له من أن يفيق يوماً، ليقضّ مضجع صاحبه قائلاً له: أفق أيها الضال وأعرف أن الماضي لا يمكنه أن يمضي وكأن شيئاً لم يكن!

طبعاً، لن يتمكن اللورد من الإفلات هذه المرة من العقاب هو الذي سنعرف في سياق الحوارات أنه اقترف كثيرا من الخطايا السياسية، لكنه دائما ما كان يدبر أموره بحيث تُنسى. فالأمر مع الضمير الشخصي الداخلي، الذي يمثله هذان العائدان من الماضي البعيد، يختلف تماماً. الماضي يمهل ولا يهمل، كما قد يقول تولستوي. ومن هنا لن تنتهي المسرحية إلا وقد افتضح أمر اللورد، ولا سيما أمام ولديه اللذين إذ يبتعد الشاب منهما مرتحلا في رفقة غوميس كنوع من تعزية لهذا الأخير، تبقى الابنة وزوجها عارضة على أبيها الدعم والمساندة رغم كل شيء. لكن اللورد يشكرهما ويخرج نحو ما يحتاج إليه من هواء طلق فيما لا نشك نحن لحظة في أنه ذاهب إلى مصيره المحتم.

ربما كان إليوت الشاعر الأشهر والأكثر شعبية من بين أقرانه الأنغلو- ساكسونيين، على الأقل لدى هواة قراءة الشعر من العرب منذ الخمسينات وحتى اليوم، لا سيما منذ عكف أساطين الحداثة الشعرية العربية على ترجمة أعماله والاهتمام به وتقديمه على أنه النموذج الذي ينبغي أن يُحتذى. وإليوت، أميركي الأصل، بريطاني الهوى والإقامة. ولد في 1888، ورحل عن عالمنا عام 1965، في وقت كانت شهرته قد طبقت الآفاق.

كان إليوت ناقداً وكاتباً مسرحياً وشاعراً. وقد عرفه القراء العرب خاصة كشاعر، عبر ترجمة الكثير من أعماله، لا سيما قصيدته الطويلة «الأرض الخراب» التي نقلت إلى العربية مرات عدة، وفهمت من قبل ناقليها بأشكال متعددة. ويمكن القول أنها تقف في خلفية جزء كبير من شعر الحداثة العربي، إلهاماً ونقلاً أو اقتباساً في شكل أو بآخر. بل لربما عرف إليوت، فقط، بكونه شاعر «الأرض الخراب» مع أن هذه القصيدة لا تمثل سوى جزء يسير جداً من نتاج إليوت الغزير، الذي بدأ يشتهر بين القراء الأنغلو - ساكسون بفضل عمله الكبير الأول «أغنية عشق في الفرد بروفروك» وهي قصيدة طويلة نشرها حين كان لا يزال طالباً في جامعة هارفرد.

عند تخرجه من هارفارد، كان إليوت مهتماً، في شكل خاص، بالفلسفة المثالية، لكن أفكاره كانت قد بدأت تذهب صوب أوروبا، وهذا ما جعله يتجه في 1915 للإقامة في لندن بصورة نهائية، حيث التقى بالشاعر إزرا باوند، الذي شجعه كثيراً، وساعده خاصة على نشر مجموعته التي تضم «أغنية بروفروك» والعديد من القصائد الأخرى. ومع نشر هذه المجموعة بدأ اسم إليوت ينتشر في الحلقات الأدبية في أوروبا، وهو انتشار زاد منه إصداره لمجلة «كريتوريون» التي راح ينشر فيها مقالاته النقدية وقصائده وكتاباته الأخرى، وخاصة قصيدة «الأرض الخراب» التي نالت صدى كبيراً منذ نشرت للمرة الأولى (1922)، واتبعها بعد ثمانية أعوام بـ «أربعاء الرماد» (1930)، وكانت الفترة الزمنية الفاصلة بين نشر هذين النصين الفترة التي شهدت تحول إليوت نهائياً من الخيبة واليأس اللذين طبعا علاقته بالعصور الحديثة ووجدا تعبيرهما في «الأرض الخراب»، إلى الإيمان الديني العميق، كملجأ أخير لإنسان عصرنا هذا- كما وجد تعبيره في «أربعاء الرماد». وكان إليوت قد عثر على إيمانه الديني أواخر سنوات الثلاثين ما جعله، في الوقت الذي حصل فيه على الجنسية البريطانية، يعتنق المذهب الأنغليكاني، الذي يعتبر جزءاً من المذهب البروتستانتي، وهو الأكثر اقتراباً من الكاثوليكية. مع تحوّله إلى التعمق في الإيمان الديني، بدأ إليوت يستبدل التعبير الشعري لديه بالتعبير المسرحي بعد أن لمس، كما قال هو نفسه ذات مرة، أن المسرح يتيح له أن يشتغل على رؤى وأحداث متعددة، فيما يجد أن الشعر يحصره في حدث متفرد وحيد. بيد أن هذا القول يجب ألا يخفي علينا أن أشعار إليوت السابقة قد انطبعت جميعها بنزعة مسرحية واضحة (مواقف درامية، صور معبرة تعددية الأصوات، نلاحظها في «الأرض الخراب». كما في «أربعاء الرماد»).

المهم أن إليوت، حين بدأ يكتب مسرحياته في 1935 حيث كان أول نص له هو «مقتلة في الكاتدرائية»، جعل من مسرحه تعبيراً خالصاً ونقياً عن نزعته الدينية، بل إن مسرحياته في معظمها سعت للعثور على نوع من التوفيق بين الدين والعقل، سواء كان ذلك من خلال التعبير عن مأساة توماس بيكيت وقلقه في «مقتلة في الكاتدرائية»، أو من خلال التعبير عن مفهوم الاستشهاد والفرح بالتضحية والفداء. هذا التوجه الديني الصرف سنجده قائماً في كافة أعمال إليوت التالية، في نهايات «الموظف الموقوف» (1953) حيث يكون العمل كعازف أورغن في الكنيسة مصيراً مقبولاً للموسيقى كولبي سمبكنز، أو في نهايات «رجل الدولة العجوز» (1958) التي نتحدث عنها هنا وكانت آخر مسرحية كتبها إليوت، وفيها ينطلق من ثلاثية أوديب، ليعبر عن صفاء الروح قبل نهاية المرء عبر وصوله إلى الإيمان الديني، كما أشرنا.

يقينا إن الحداثة العربية التي استلهمت إليوت كثيراً، لم تلتفت بما يكفي من الجدية إلى هذا البعد الأساسي في عمله، وظلت واقفة في استلهامها لكتاباته (وخاصة أشعاره) عند حدود الأشكال التي تلمستها لديه. وهو ما ساهم في خلق سوء تفاهم كبير ساد الحداثة الشعرية العربية لسنوات طويلة، قبل أن يكتشف «المحدثون» توجهات إليوت الصحيحة فيغضون الطرف عنه ويبدأون بتناسيه تدريجاً.

* نقلا عن "الحياة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات