عاجل

البث المباشر

«هنري الخامس» لشكسبير: إبداع فني أم دعاية سياسية؟

تعامل النقاد والمؤرخون دائماً مع تلك المسرحيات الشكسبيرية التي تسمى بمسرحيات تاريخ إنكلترا، أو في شكل أكثر تخصيصاً، مسرحيات الملوك الإنكليز، باعتبارها شديدة الجرأة لم يتوان فيها شاعر المسرح الأكبر، عن التصدي لكل ما هو سيئ في تاريخ عدد من ملوك ربما كان بعضهم من جدود، أو حتى من آباء الملوك والأمراء الذين عايشهم. وكان السؤال دائماً: من أين واتته تلك الجرأة وكيف مرت انتقاداته لهم على «مقص الرقيب» فقدمت ونشرت من دون أن يجد من يؤاخذه عليها؟ والحقيقة أن حسبنا أن نرجع الآن الى تلك المسرحيات لنُدهش نحن بدورنا إذ نعيش بعد قرون من زمن شكسبير، ومع هذا فلنجرب أن نكتب ما كتبه وأن نفعل ما فعله! لقد كتب شكسبير أكثر من نصف دزينة من مسرحيات عن ملوك سابقين نراها مليئة بالدماء والمؤامرات وصراعات العرش والدناءات. ومع هذا قد يقف المرء، في نهاية هذا الاستعراض مدهوشاً أمام تلك المسرحية، التي هي، على أي حال، الأشهر والأقوى صياغة وشاعرية في تلك السلسلة: «هنري الخامس»، التي عرفت دائماً كيف تفتن أهل المسرح بشكل خاص، ثم في القرن العشرين، أهل السينما والتلفزة، الى درجة انها اقتبست مراراً وتكراراً لتعتبر الأكثر تقديماً من بين تلك السلسلة من المسرحيات. أما الغريب في الأمر، فإنها تبدو من بينها، الأقل جرأة... بل حتى لن يفوت نقاد ومؤرخون القول انها بأكثر مما هي مسرحية درامية تاريخية شكسبيرية، قد تبدو لقارئها أو مشاهدها عملاً سياسياً دعائياً كُتب بناء على طلب محدّد غايته تبجيل ذلك الملك بقلم كاتب كبير لم يعتد تبجيل أحد قبل ذلك، ولم يعد الى مثل ذلك التبجيل من بعد.

> إذا كان هنري الخامس واحداً من الملوك العديدين، ولا سيما منهم أولئك الذين تناول عمل شكسبير سيرتهم، من دون تملق أو أي محاولة للتستر على عيوبهم، فما باله حين وصل إليه ميّزه مكرساً له تلك المسرحية الخاصة به، «هنري الخامس» التي ينظر اليها عدد كبير من النقاد والباحثين، مع هذا، بوصفها الأقوى والأجرأ بين سلسلة «ملوك انكلترا»؟ بل إن شكسبير لا يكتفي بهذا إذ نلاحظ كيف أن هنري الخامس نفسه، يظهر كذلك، تحت اسم «الأمير هنري» في مسرحية أخرى لشكسبير هي «هنري الرابع» وهي مسرحية ذات جزءين. وأكثر من هذا، إن الأمير هنري، إضافة الى فالستاف (الشخصية المدهشة التي تعود مراراً في مسرحيات شكسبيرية عدة)، يقدم لنا في «هنري الرابع» بصفته الشخصية الأكثر صواباً وحيوية في هذا العمل. ولعل هذا الحضور في «هنري الرابع» قبل الحضور الكلي في «هنري الخامس» هو ما دفع النقاد والباحثين الشكسبيريين الى المقارنة، ليفتوا في نهاية الأمر، بأن المسرحيتين يجب أن تُشاهدا (أو تُقرآ) معاً، لأن سرّ شخصية الأمير هنري/ هنري الخامس، وسرّ كتابة شكسبير عنه، يكمنان هنا، في ذلك التبدّل الذي يطاول شخصيته، بين مرحلة كونه أميراً، والمرحلة الأخرى التي صار فيها ملكاً. بل إن هناك نقاداً اعتبروا وصف شكسبير له «حتى حين صار ملكاً بأنه يرمي الى تقديم صورة ملك واع، شجاع، عادل، كفي وعنيد بصفتها تجسيداً للنجاح في هذا العالم» (الناقد الشكسبيري ايفانز)، في وقت رأى فيه آخرون ومن بينهم ويليام بطلر ييتس أن شكسبير، على العكس من ذلك، إنما وسم بطله بصفات تجعل منه مقترفاً أخطاء فادحة وذا قوة ضارية... باختصار جعله شخصاً لا يعرف أن يحكم إلا أشخاصاً عنيفين». أما الالتباس في الرؤية، تجاه عمل فني واحد فإنه، في اعتقادنا، ينبع من فنية العمل الشكسبيري الذي نعرف كما يعرف دارسو أعماله جميعاً، أنه لم يكن أبداً ذا خط توضيحي واحد، بخاصة في «هنري الخامس» هذه المسرحية التي عاشت ولا تزال تعيش، متجاوزة تاريخ شخصيتها الرئيسة، وربما بفضل ذلك الالتباس الذي أصر نقاد كثر على أنه يميزها.

> ولنبدأ هنا من مسرحية «هنري الرابع» التي يقدم لنا شكسبير فيها ملامح أساسية من شخصية ذلك الأمير الشاب هنري، فهو منذ ظهوره على الخشبة يبدو لنا تواقاً الى الإصلاح، بل إنه يصل في رغباته الإصلاحية الى حد العمل حتى على إصلاح أخلاقه الخاصة وسلوكه- حتى وإن كان شكسبير يلفتنا الى أن هذه الرغبة انما تنبع من حسابات عملية خالصة. وفي هذا الإطار، يقول لنا الكاتب كم أن الأمير هنري إنسان براغماتي يحكم على الناس من خلال نفعيتهم، ما يجعله مجرداً من العواطف تجاه رفاقه أو تجاه أعدائه... وهنا لا يفوت شكسبير أن يقول لنا إن هذه الصفات ضرورية لمن يريد أن يحكم... ومن هنا تقدم لنا تلك الصفات بإيجابياتها لا بسلبياتها، بحيث إننا سرعان ما ندرك أن ذكاء الأمير وواقعيته، انما كانا شديدي الأهمية في مجال مواصلة أهدافه السياسية. والسؤال هنا: هل إن شكسبير بهذا الوصف الذي يحمل شيئاً من الالتباس في أعماقه، كان يروّج، وربما على خطى ماكيافيللي، للبعد السياسي البحت الذي لا بد أن يتوافر في شخصية قادة الدول والشعوب، بعيداً من العواطف الإنسانية التي قد لا تكون، في رأيه، ذات جدوى في هذا الإطار؟

> ربما... المهم أن المسرحية التالية «هنري الخامس» تواصل رواية سيرة حياة ذلك الأمير، وقد أصبح ملكاً هذه المرة خلفاً لوالده هنري الرابع، الذي سادت الحروب الأهلية في زمنه لكنه تمكن في آخر عهده من تهدئة الأمور، بل أيضاً من بناء حداثة ثقافية عبر رعايته نشاطات أدبية وفكرية. وهكذا ورث هنري الخامس مملكة هادئة نسبياً، ما مكنه من أن يبني ملكه وشخصيته، وجعله يحوز شعبية كبيرة... ولقد دفعته تلك الشعبية، كما دفعته المنعة التي صارت لبلاده من أن يتطلع صوب القارة الأوروبية، الى أن يبدأ المطالبة بما كان يرى انه حقوقه وحقوق أسرته في فرنسا. وهكذا نظم، في عام 1415، حملة على هذا البلد تُوّجت بالانتصار الكبير في موقعة آزنكور (25 تشرين الأول/ اكتوبر من ذلك العام). ثم نراه ينظم حملة ثانية في عام 1417، تُتوّج بدورها بانتصار ساحق تحقق على رغم ضآلة عدد المهاجمين الإنكليز مقارنة بأعداد المقاومين الفرنسيين. والحقيقة أن جزءاً كبيراً من مسرحية «هنري الخامس» الشكسبيرية، يدور من حول ذينك الانتصارين، ليقدم الملك من خلالهما، قائداً شجاعاً وديبلوماسياً متميزاً... وخصوصاً أن المسرحية تنتهي به وقد فرض نفسه وريثاً لعرش فرنسا، واقترن بالأميرة الفرنسية كاترين.

> عرضت «هنري الخامس» اثر كتابة شكسبير إياها عامي 1597- 1998، وحققت نجاحاً كبيراً أدى الى استعادة عرضها مرات ومرات. ومع هذا، فإن الأمر لم يخل من نظرة اليها رأت فيها عملاً ايديولوجياً أشبه ما يكون بالعمل السياسي الدعائي... لا سيما من حيث تركيزها على «معركتي غزو فرنسا»، حيث رأى فيها بعضهم ابتعاداً من الجدلية التي طبعت دائماً أعمالاً شكسبيرية من هذا النوع. بخاصة بالنسبة الى باطن نظرة شكسبير الى الحدث السياسي الكبير. فهنا لا يقدم لنا دخول قوات هنري الخامس الى فرنسا بصفته غزواً واحتلالاً، بل بصفته تحريراً تاماً... وهذا على الأقل، ما يقوله لنا الكورس في النهاية، حين يوجّه اللوم الى»خلفاء هنري الخامس، لأنهم ضيعوا أجمل حديقة في العالم» بعدما كان استولى عليها الملك المهم القدير. وثمة، في هذه المسرحية، على أي حال، حضور قوي للكورس الذي يأتينا قبل كل واحد من فصول المسرحية الخمسة، ليطلب منا نحن، الجمهور، أن نشارك مباشرة في العمل باستخدام مخيلتنا وسيلة لتسهيل عملية إيصال الوهم المسرحي الى أذهاننا... والحال أن هذا الاستخدام الكثيف للكورس، وما يدعونا اليه ... وهذا التعمد من جانب شكسبير لجعل كثافة الكورس تخدم كعنصر يغرّب الجمهور عن التماهي مع أحداث المسرحية، يبدوان لافتين، بل لغزاً آخر من الألغاز الشكسبيرية، حيث من الواضح أن الكورس ليس موجوداً هنا ليروي لنا الأحداث، بل لكي يذكرنا في كل لحظة بأننا انما نشاهد مسرحاً، وأن ما نشاهده ليس علينا أن نتلقاه كما هو، وكما يُروى لنا، بل كما قد تساهم مخيلتنا في رسم صورته النهائية. وفي هذا الإطار بالذات، تبدو «هنري الخامس» غريبة، وعلى حدة بعض الشيء في سياق المتن الشكسبيري، كما تبدو، وكأنها خارجة بعض الشيء عن سلسلة الملوك وعن المسرح الذي يتوخى تقديم التاريخ لا أكثر.

* نقلاً عن "الحياة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات