الخطاب الديني... شهادة «تشخيص الصحوة»

فهد سليمان الشقيران

نشر في: آخر تحديث:

في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1993، صدر الأمر الملكي بإنشاء وزارة الشؤون الإسلامية، ليكون اسمها الكامل: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد. وفي ديباجة الأمر أن التأسيس جاء بعد ما عرضه الشيخ المفتي العام عبد العزيز بن باز: «من ضرورة إيجاد وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والإرشاد والدعوة إلى الله سبحانه، وتأييدنا لذلك». الظرف الذي كانت تعيشه الحركة الإسلامية في المنطقة كان على مستوى من الانفلات والاندفاع: الخطاب الصحوي المضارع لحرب الخليج، ومن ثم الاستعانة بالقوات الأميركية، وصعود «الأدبيات الجهادية» بعد الحرب الأفغانية السوفياتية؛ كل ذلك جعل الحكومات تهتم أكثر من أي وقت مضى بضبط الخطاب المنبري، ولجم توظيفه سياسياً.

قبل تأسيس الوزارة، كان يمكن لأي شخص إلقاء أي محاضرة في أي جامع بمجرد لصق عنوان على المساجد والمتاجر المجاورة، ويمكنه إعلان مواقف سياسية مصيرية بزعقةٍ منبريةٍ واحدة؛ لقد كان أمراً جنونياً بحق، كان على الحكومة إيجاد صيغة تجعل الخطاب الديني مؤسسياً، من أجل حصار حالة التسييس التي طغت على كل الحركة الدينية آنذاك، بحكم تسيّد الصحوة للمشهد.

وبعد الأمر الملكي بأشهر، في بحر عام 1994، كان لا بد من إخماد تلك النار؛ إذ تم ضبط رموز ما سميت بالصحوة آنذاك واحتجازهم قبل أن تتطور الأمور إلى ما هو أخطر.

قبل أيام، أصدر الدكتور توفيق السديري، نائب وزير الشؤون الإسلامية، كتاباً بعنوان «تشخيص الصحوة - تحليل وذكريات»، وفيه يحاسب محطاتٍ من تلك المرحلة؛ كتاب جريء من شخص بمنصبه هذا، المؤلف يعترف بأن المرحلة المعيشة الآن خدمته في إخراج الكتاب من الدرج ودفعه إلى المطبعة، وقد عُرف السديري لدى الفاقهين بتوازنات الوزارة، إدارياً وفكرياً، بأنه من الناقدين للتيارات الإخوانية والسرورية (الصحوية) منذ سنين مضت، وإن كان نقداً يتم تداوله همساً، بحكم ظروف المراحل الماضية، ذلك أن الوزارة منذ تأسيسها لا يمكن أن تكون خارج تنافس التيارات الإسلامية. فمن جهةٍ، لدى الإخوان المسلمين استراتيجياتهم في البحث عن مفاصل قيادية، بينما يرغب التيار السروري في مزيدٍ من النفوذ على المستويين: الدعوي المنبري، والمساجد والجوامع. ويعادي هذان التياران النافذان تيار «سلفية أهل المدينة»، التيار المعروف بـ«الجامية»، وله حظوظه الأقل مما التهمه سابقاه... لدى الوزارة أكثر من تسعين ألف مسجد وجامع تتقاطر التيارات للهيمنة على أكبر حصةٍ منها، راغبين في احتكار وعي المجتمع.

الدكتور توفيق يقول: «لامس جيلي مرحلة الانكسار لليسار القومي، وبداية توهج الفكر الحركي الإسلامي، أو ما يمكن أن نسميه فكر التفسير المصلحي التوظيفي للدين، وتحديداً المصلحة السياسية، فعرفت عن بعد وتابعت الحراك الفكري السابق لجيلي الذي كان متوهجاً قبل حرب 1967.. لكني لم أعايشه لأسباب أهمها المرحلة العمرية، وكذلك كوني نشأت في محيط محافظ وبيئة دينية موالية بعمق للهوية والدولة السعودية، ولذلك قد لا أستطيع الكتابة عنه كما أكتب عن الحراك الفكري الحركي الإسلامي السياسي، لأني عايشت هذا الآخر في المدرسة والمسجد والجامعة ومناشط الثقافة ومختلف مناحي الحياة». يناقش الدكتور توفيق السديري في الكتاب بدء تكوين الإخوان المسلمين، وحادثة جهيمان، وآثار الصحوة، وقد كتبت الصحف السعودية مراجعاتٍ كثيرة تبين مستوى أهمية هذا الكتاب لجهة منصب وحيثية كاتبه.

يمكن تحويل الكتاب إلى برنامج عملٍ في وزارة الشؤون الإسلامية، وذلك بغية تحصين العاملين والمتأثرين بالمنابر التابعة لها من غلواء الأفكار الراديكالية المنتمية للحركة الإسلامية، وهذا ليس صعباً، بل يصب في صميم عمل الوزارة. ونتذكر أن من الأهداف والسياسات الأساسية للوزارة، وتحديداً في الهدف الثاني منها، الإشارة لموضوع «الدعاة المؤهلين». وهنا، يمكن الإفادة من الكتاب لصقل التأهيل للمسؤولين عن الخطاب الديني، والمحتكرين للمنبر الخطابي، والسديري ليس بعيداً عن رسم السياسات، وأخذ مجالات العمل الدعوي إلى أفقٍ أرحب، يتجاوب ويتواءم مع النقلة السعودية الكبرى ضمن المخطط المرسوم لتجاوز الثلاثين سنة الماضية التي أهلكت وأرهقت وأنهكت المجتمع والحكومة.

لنأخذ من التجربة عبرةً لنا، والمؤسسات الحية والحيوية هي التي تقود المجتمعات إلى التغيير، خصوصاً أن هناك رغبة سياسية في ردم تلك الهوة، وتجاوز ذلك الخطاب القديم.. إنها مهمة صعبة وضرورية لئلا نكون ممن يفتنون في كل عامٍ مرةً أو مرتين، ثم لا يتوبون ولا هم يذّكرون.

نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.