عاجل

البث المباشر

بسام البنمحمد

<p>عضو مجلس الشورى البحريني والرئيس التنفيذي لمركز دان للدراسات والابحاث الاستراتيجية</p>

عضو مجلس الشورى البحريني والرئيس التنفيذي لمركز دان للدراسات والابحاث الاستراتيجية

المأزق الاقتصادي مابين توصيات البنك الدولي والواقع المعاش

تعاني الكثير من الدول من الضغط غير المباشر الممارس عليها من قبل مؤسسات المال والاقتصاد الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

تكون هذه الضغوط في الغالب على شكل تصنيف منخفض لعدد من المؤشرات الاقتصادية والمالية لهذه الدول ويتم اقتراح توصيات محددة من قبل هذه المؤسسات إن تم تطبيقها سيتحسن تصنيف الدولة وبالتالي سيتحسن اقتصادها بحسب زعمهم.

لذلك تسعى العديد من الدول لتحسين اقتصادها عن طريق الأخذ بهذه التوصيات لتقفز إيجابيا في تصنيفها على المؤشرات الاقتصادية والمالية المرتبطة. لكن مشكلة هذه التوصيات أنها في أحسن الأحوال قائمة على افتراضات أكاديمية لا علاقة لها بواقع هذه الدولة أو تلك بشكل شامل ومباشر.

هذا ما أكده الاقتصادي إيڤان سولتاس في دراسة معمقة نشرها في مايو 2016 على موقعه. حيث أكدت الدراسة القائمة على سؤال: هل يوجد رابط بين تقدم تصنيف الدول التي أخذت بتوصيات البنك الدولي في مؤشر أداء الأعمال (doing business index) ونموها الاقتصادي؟ واستخلصت الدراسة أن الدول التي طبقت هذه التوصيات وارتفع تصنيفها على مؤشر سهولة أداء الأعمال لم يتحسن اقتصادها ولم يتحسن المستوى المعيشي لمواطنيها سواء على المدى المتوسط أو حتى البعيد.

هذا لا يعني أن تسهيل إجراءات أداء الأعمال لا يعد أمرا إيجابيا، بل على العكس فهذه الإصلاحات لقطاع الأعمال تعد جاذبة للاستثمار الأجنبي والمحلي وتساهم بخلق بيئة تجارية جيدة وضرورية. إنما النمو الاقتصادي للدول لا يرتبط بهذه الإجراءات فقط، فمن الممكن أن تسهل إجراءات إصدار السجل التجاري لنشاط معين مثلا ولكن لا توجد قوى شرائية أو غيرها من الأسباب الأخرى وبالتالي لن ينمو الاقتصاد ولن يتحسن مستوى دخل الفرد بمجرد تسهيل الإجراءات، إنما هي ضرورية بطبيعة الحال متى ما وجدت البيئة المتكاملة التي تساعد على إعطاء هذه الإصلاحات القيمة الحقيقية.

بالمقابل، فإن امتلاك القدرة على التصنيع المحلي عن طريق امتلاك تكنولوجيا ومعرفة معينة أو ابتكارات مميزة ستنعكس بشكل حقيقي وإيجابي على النمو الاقتصادي. وهذا ما تطرق له الكاتب الشهير جاستن فوكس على موقع بلومبيرغ في مقالة مهمة نشرت بتاريخ 29 يناير 2018. وذكرنا فيها بمقولة غاري بيسانو بروفيسور إدارة الأعمال بجامعة هارفورد من أن "قدرات التصنيع تدعم النمو الاقتصادي".

فالتركيز على الاستثمار في الخارج أو استيراد البضائع الرخيصة -حتى وإن دخلت في بعض الصناعات المحلية- قد تساهم في خلق وظائف محدودة على المدى القصير -جلها ستكون للعمالة الأجنبية- لكنها في المقابل ستقلص من فرص نمو الاقتصاد المحلي على المدى المتوسط والبعيد لأنها ستعتمد على الخارج وستفقد المعرفة والتكنولوجيا المطلوبة للتصنيع والإنتاج المحلي، وهي العناصر الرئيسيّة لاستدامة الاقتصاد ونموه الإيجابي. وهذا ما دفع إدارة ترامب مؤخراً لفرض ضريبة بنسبة 30% على الواردات من سلع الخلايا الشمسية لأمريكا لأنها تسبب أضرارا بالغة للصناعات الأمريكية وتحد من تطور التكنولوجيا المرتبطة بها محليا، حتى وإن كان مثل هذا القرار سيؤثر على نسب خلق الوظائف على المدى القصير.

فالأكيد هو أننا عندما نملك التكنولوجيا فإننا نملك اقتصادنا بأيدينا، فنضمن نموه واستدامته على عكس امتلاكنا لسلعة -النفط مثلا- سعرها متذبذب ولا نتحكم فيه وقيمتها وقتية ومرتبطة بسرعة أو بطء تطور التكنولوجيا ومدى ارتباط الدول الصناعية عليها.

فنحن نصدر هذه السلعة لكي نشتري التكنولوجيا وكافة احتياجاتنا تقريبا وعند نفادها أو تقلص قيمتها سوف نعاني كثيراً لكي نوفر الأساسيات. إنما عندما نمتلك التكنولوجيا/المعرفة المطلوبة فإننا نصنع وننتج ونصدر ونساهم بنمو وتطور الاقتصاد العالمي ولا نعيش على تطور العالم ونستورد منهم كل حاجاتنا.

فالعالم يتغير من حولنا وما اعتدنا عليه سابقا لم يعد يصلح للحاضر ولا للمستقبل، فمثلا القطاع المالي يمر بمرحلة انتقالية تنقله من البيئة التقليدية بأدواتها (المصارف والبنوك) إلى عصر blockchain و Fintech الذي يلغي دور الوسيط في المعاملات المالية وكذلك قطاع الاتصالات حيث لم يعد للرسائل النصية أو المكالمات الصوتية أرباح كالسابق بسبب دخول تكنولوجيا جديدة أقل كلفة وغيرها من قطاعات تأثرت سلباً بسبب ظهور تكنولوجيا قلبت الموازين تعتمد على المعرفة ويستفيد منها أصحاب المعرفة في تطوير هذه القطاعات القديمة أو خلق قطاعات جديدة من خلال استفادتهم من التكنولوجيا لزعزعة الوضع الراهن وإحلال واقع جديد مكانه يعرف ب disruptive business models.

وهنا تكمن الأسئلة المهمة: كيف لنا أن نمتلك التكنولوجيا المطلوبة؟ وفِي أي المجالات؟ وكيف لنا أن نتميز ونتفوق فيها لكي نكون ضمن أفضل من يمتلكها والأكثر تنافسية؟

فالاعتماد على خطط وطنية شاملة وواضحة لتطوير التعليم والتدريب وامتلاك المهارات والتأهيل المهني والعلمي وارتباطها بالبنية التحتية والانظمة والتشريعات المساندة عناصر أساسية لتشكيل مستقبلنا وجعله أكثر قوة واستدامة. إنما هذه العناصر يجب أن تكون ضمن خطة واضحة ومدروسة تحدد مسبقًا المجالات التي يجب أن نطور فيها قدراتنا ونعد أبناءنا علميا ومهنيا وأن يكونوا نواة التطور والتفوق في هذه المجالات لكي نعتمد على أنفسنا ولا نستورد التكنولوجيا إنما ننتجها بأنفسنا ونستعملها في التصنيع والتصدير.

وهذا أمر قد يأخذ سنوات طويلة إلى أن نخرج أجيالا متفوقة علمياً وقادرة على الابتكار وصنع التكنولوجيا المطلوبة بدرجة تنافسية ولكنه بالتأكيد أمر يستحق العمل من أجله بكل جهد وأن نسخر كافة إمكانياتنا لتحقيقه لأنه مرتبط بمستقبلنا وقدرتنا على التطور والنمو.

إنما من الممكن كخطوة مبدئية -تتماشا مع الخطط والبرامج متوسطة وبعيدة المدى- أن نعمل على توفير البيئة الشاملة الأنسب لجذب أفضل العقول والمبادرات لكي تتخذ من البحرين منصة لها وبذلك نساهم بتوطين التكنولوجيا وتطوير الصناعات المحلية وقدراتها التنافسية إلى أن ننهض بباقي المجالات وتكون من صنع أبناء البلد بالكامل. ومثل هذا التوجه سيكون أجدى من تنفيذ توصيات البنك الدولي أو حتى توصيات صندوق النقد الدولي الداعية لتبني سياسات تقشفية والتي اعترف الصندوق نفسه بأنها سياسات خاطئة، أضرارها أكثر بكثير من أي منافع وأنهم في الصندوق لم يدركوا إلا متأخراً حجم الضرر الذي سببته للدول التي تبنت توصياتهم ومنها اليونان!

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة