عاجل

البث المباشر

وداعاً سراج عمر

للأوطان رموز ورجال. ولا تعد الأوطان مكتملة إلا وهي تعتز وتفتخر بكل رموزها. وهذا هو أهم أدوار المؤسسات الثقافية؛ تعزيز فكر الاعتزاز والافتخار بالرموز والأيقونات الناجحة، النماذج التي كانت دوماً خير ما يعكس صورة البلاد في مجالات مختلفة، وذلك على الرغم من محاربتها بشتى وسائل وأسلحة الجهل والتطرف والظلام.

بالأمس، رحل عملاق التلحين السعودي الراحل الكبير الموسيقار سراج عمر، عن عمر يناهز 72 عاماً، بعد صراع غير قصير مع المرض. يعد الراحل من أهم صناع اللحن السعودي، وساهم في انتشار الأغنية السعودية بشكل شعبي وذكي وحساس، والذاكرة الفنية مليئة بالعدد الهائل والكبير من إنجازاته.

الراحل كان قد قام بإنجاز أشهر الألحان لكبار نجوم الطرب السعودي، من أمثال طلال مداح ومحمد عبده وعبادي الجوهر وعبد المجيد عبد الله وابتسام لطفي وعلي عبد الكريم، وساهم في إعادة توزيع النشيد الوطني السعودي، وطور في لحنه باستخدام الآلات النحاسية العسكرية، ليظهر بشكل رسمي وقور ولائق. ومن أبرز ألحانه الخالدة لليوم: «مقادير» و«أغراب» و«ما تقول لنا صاحب» و«الله يرد خطاك» و«الموعد الثاني» و«أنادي» لطلال مداح، و«مرتني الدنيا» و«يا حبيبي آنستنا» وغيرهما للفنان محمد عبده، وكذلك قام بتلحين أشهر الأغاني الوطنية السعودية التي أدتها «المجموعة» في الإذاعة السعودية منذ أكثر من أربعين عاماً، المعروفة باسم «بلادي منار الهدى»، وكتب لهذا العمل انتشار أسطوري وقبول جماهيري غير مسبوق، ولا تزال الأغنية يتم أداؤها بأصوات جديدة حتى اليوم، ويتم بثها بكثافة في المناسبات الوطنية. كان سراج عمر أول من أطلق عليه لقب الموسيقار لشغفه بالتطوير الذاتي والأكاديمي في عمله الموسيقي. كان نمطياً وكلاسيكياً في أسلوبه، ويؤمن بتطوير الأسس والقواعد المثبتة للأصول الموسيقية، وساهم مع ملحنين سعوديين آخرين في صناعة الأغنية السعودية كما هي معروفة اليوم، من أمثال سامي إحسان وعمر كدرس وفوزي محسون الذين تمكنوا من صياغة لحنية لمختلف الكلمات بشكل آسر وجذاب وخالد.
ولعل أغنية «مقادير»، التي كانت إحدى إبداعات العملاق الراحل طلال مداح، أول أغنية سعودية تتخطى الحدود وتصل إلى العالم العربي، وغنتها باقتدار بعد ذلك المطربة وردة الجزائرية التي قالت عن لحنها إنه «عبقري وساحر»، وغنى بعد وردة الجزائرية كثير من كبار الفنانين العرب هذه الأغنية الخالدة التي كانت جواز سفر لموسيقى سراج عمر.
مدينة جدة تحديداً، والسعودية عموماً، مطالبة بتقديم تكريم يليق بما قدمه الراحل الكبير، يتجاوز تصريحاً مقتضباً يتم في نعي الراحل، الخلود والتكريم للمبدعين هو أحد أهم أدوار المؤسسات الثقافية في المجتمعات المدنية السوية التي ترعى كل أبنائها.
سراج عمر كان نموذجاً ناجحاً جداً للتميز والإبداع والابتكار، خدم ثقافة بلاده بنجاح، وتميز لعقود طويلة جداً من الزمن، وساهم في ترسيخ ثقافة الموسيقى السعودية بشكل مشرف، وأصبح قامة مهمة في التلحين مكنته من احتلال الريادة والصدارة بلا منازع لفترة طويلة جداً.
رحم الله الفنان الموسيقار الكبير سراج عمر، خسارة فادحة. أسال الله أن يسكنه فسيح جناته، ويلهم آله وذويه الصبر والسلوان «إنا لله وإنا إليه راجعون».

*نقلا عن صحيفة "الشرق الأوسط".

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة