القصة الدولية خلف لقاء محمد بن سلمان وترمب

ممدوح المهيني

ممدوح المهيني

ممدوح المهيني
نشر في: آخر تحديث:

عندما قال الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما إن حلفاء أميركا راكبون بالمجان، أثار عليه موجة غضب وانتقاد كبيرة. ولكن الحقيقة أنها لم تكن هفوة أو زلة لسان حتى وإن حاول تبريرها لاحقاً. كانت رسالة مباشرة تعبر عن أفكاره العميقة حول رؤيته للعالم والنظام الدولي بشكل عام.

أوباما لم يكن يؤمن بالتحالفات التقليدية، ولم يكن مقتنعاً في الأساس بالقوة الأميركية الاستثنائية، ويعتبرها واحدة من القوى العالمية، إلى جانب القوى الصاعدة الأخرى مثل روسيا والهند والصين والبرازيل وغيرها. وقد انعكس ذلك على سياساته الخارجية وسلوكه. لقد كان ملولاً ومتبرماً في الاجتماعات المتعلقة بالسياسة الخارجية، ولكن وجهه يستعيد ألقه وحيويته عندما يتحول الحديث إلى السياسة الداخلية والمكائد الحزبية. كان مقاتلاً شرساً داخلياً وجباناً مهزوزاً خارجياً، وأحاط نفسه بدائرة تشبهه مهتمة بالعواجل على شاشات الأخبار أكثر مما يحدث في العراق أو أفغانستان.

لم يكن الرئيس السابق مهتماً بالنظام الدولي الليبرالي، وتركه يتداعى حتى ينهار. ومن هنا تحديداً ساءت العلاقة مع السعودية، لأن تحالفها مع الدولة الأقوى في العالم كان خلف هدوء وتوازن المنطقة الجزئي منذ عقود رغم كل القوى التخريبية والقادة المجانين والجماعات الإرهابية.

ومع انسحاب أميركا بعهد أوباما اضطرت السعودية للقيام بالمحافظة على الاستقرار الإقليمي.. محاربة التنظيمات الإرهابية الإيرانية بيد (حزب الله والحوثيين) والتنظيمات الإرهابية السنية باليد الأخرى (القاعدة وداعش). ومن المفارقة أنها حافظت في المنطقة على النظام الدولي الذي ورثته أميركا نفسها في الخمسينات من بريطانيا العظمى وتخلت عنه في إدارة أوباما التي تحالفت مع القوى الساعية بشكل صريح لتدمير هذا النظام، مثل إيران وحتى الإخوان وحزب الله الذي غضت الطرف عمداً عن عملياته التهريبية للمخدرات كما في مشروع كاسندرا حتى تعقد الصفقة النووية.

في ظل هذه الفوضى الدولية، مثّل لقاء الأمير محمد بن سلمان وترمب في مارس من العام الماضي حدثاً مهماً في العلاقات الدولية، ليس لأنه فقط أعاد العلاقات السعودية الأميركية إلى عهدها الدافئ، ولكن لأنه وثق التحالف بين البلدين، وبالتالي أعاد القوة للنظام الدولي الذي يعتبر صمام الأمان لهذا الحي السيئ في العالم. مثّلت قمة الرياض لمحاربة الإرهاب بحضور ترمب الخطوة الأولى الأميركية للعودة ومواجهة إيران الخطوة الأخرى التي أنهت عملياً إرث الإدارة السابقة. تاريخياً عندما تنسحب القوى الكبيرة فإنها تفتح بوابة الجحيم على الصراعات الإثنية والطائفية، وتشجع على صعود التنظيمات الإرهابية والزعماء القتلة (داعش والأسد)، وقد كاد هذا الباب يفتح على مصراعيه نهائياً لولا ذلك اللقاء الذي قلل الأضرار وأعاد للمنطقة بعض الاستقرار.

الدبلوماسي الأميركي دينيس روس كتب قبل أيام مقالاً في صحيفة "الواشنطن بوست" قال فيه، إن على الإدارة الأميركية أن تقف خلف ولي العهد السعودي، لأن تغييراته الإيجابية الكبيرة ستحول ليس فقط السعودية ولكن المنطقة كلها نحو الأفضل. ولكن ما لم يذكره أن وقوف واشنطن خلف الأمير محمد بن سلمان على المستوى الدولي على قدر شديد من الأهمية لسكان هذه المنطقة من الكرة الأرضية الراغبين بالخروج من هذا الكابوس الرهيب المتكرر بسبب إيران والجماعات الإرهابية، والأموال القطرية التي تمثل الدم الذي يسري في عروق الجماعات المتطرفة.

روجت الدعاية اليسارية أن العلاقة السعودية الأميركية قائمة على الأمن مقابل النفط، ولكنها مجرد مغالطة وتجاهل مقصود لأهمية هذه التحالفات الدولية للمحافظة على النظام العالمي الذي كان السبب الرئيسي للنمو وتطور العالم بشكل مذهل في العقود الأخيرة بشكل تجاوز كل القرون السابقة.

ولكن من المهم أن نعود للوراء لنتذكر كيف نشأ هذا النظام الذي نعيش فيه حتى نفهم الخطورة الكبيرة في انهياره. نشأ هذا النظام في معاهدة ويستالفيا في عام 1648 بعد أن أنهكت حرب الثلاثين عاماً أوروبا، ومنها بدأت فكرة احترام الحدود وتجنب الغزو والحروب بين القوى المتصارعة. بمثل هذا المفهوم الجديد سيقل عدد الحروب والصراعات، وبالتالي تزدهر حياة الناس. بالطبع استمرت الحروب بعد ذلك من نابليون الذي غزا أوروبا وحتى هتلر. ولكن الفكرة الأساسية لم تمت، وتطورت تدريجياً، وتعممت على مناطق واسعة من العالم. ولكن هذا النظام بحاجة إلى حماية وقوة ودول مؤمنة بالفكرة ليس بالضرورة من أجل الهدف النبيل ولكن من أجل المصالح المالية والاقتصاد الحر. بريطانيا العظمى بأسطولها البحري الكاسح أدركت أن التمدد والتوسع سيعني مزيداً من الأرباح والمال، وسيفتح العالم لها. كانت تريد تشكيل عالم يناسب مصالحها وحمته بقوتها الضاربة. ولكن هذه القوة البريطانية بدأت بالانهيار التدريجي.

انهيارها كان على عقود طويلة ولأسباب جذرية. حصتها في التصنيع العالمي كانت في أعلى مراحلها عام 1870 عندما كانت 30% ولكنها هبطت في عام 1910 لتصل إلى 15%، بذات الوقت الذي زاد فيه تصنيع الولايات المتحدة ليصل إلى 25%. قوتها البحرية الضاربة التي كانت سيدة المحيطات والبحار بسفنها الحربية التي تدمر كل من يقف أمامها وصلت ذروة مجدها عام 1883 ولكن خرجت من المنافسة عام 1897 أمام الأسطولين الأميركي في الشرق والياباني في الغرب. ورثت القوة الأميركية التي تملك مصادر القوة الاقتصادية والعسكرية منها مسؤولية المحافظة على النظام الليبرالي. إنتاج اقتصادها العالمي الذي يصل إلى الربع ولم يتغير منذ 1969 وحتى اليوم. قوتها العسكرية التي تنفق عليها 600 مليار دولار هي الأعتى بين كل قوى العالم مجتمعة. لديها القوة للدفاع على هذا النظام العالمي، ولكن التحالفات القوية لدول مؤمنة فيه ضرورية لتماسكه من الانهيار. في ظل هذا النظام الدولي قلّ عدد الحروب بشكل غير مسبوق في التاريخ، وازدهرت الأسواق الحرة التي أخرجت الملايين من الفقر (الصين مثال)، وازدهرت العلوم التقنية وحركة التواصل والتنقل التي غيرت وجه العالم إلى الأبد. كل هذا التطور الكبير نشأ في نظام يحتاج إلى قوى وتحالفات دولية وثيقة، مثل التحالف الأميركي السعودي لحمايته من القوى التي تسعى لتدميره. تخيل لدقيقة لو انهار هذا النظام الدولي، ويكون المشهد مرعبا.سنعيش فقراء ومرضى ومحاصرين تحت حكم الميليشيات والرايات السوداء. ليست مبالغة. فكر باليمن والصومال وأفغانستان.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.